مجموعة من المتظاهرين كانوا يهتفون بشعار "111 جبان.." في إشارة إلى النواب الذين أعطوا الثقة للحكومة. كنت بجانبهم أتحدث مع أصدقاء من المتظاهرين وأقول إن الاستنكاف عن مسيرات الجمعة واختيار مجلس النواب للتظاهر أمامه الأحد يضمر أجندة سياسية غير نزيهة تجاه مجلس النواب تستثمر قضية الأسعار والأصل على كل حال الاعتصام أمام الدوار الرابع عند الحكومة المسؤولة عن الرفع، فالنواب لا يختلف موقفهم عن بقية الناس وتكلموا بهذا ورفعوا مذكرات وطلبوا جلسة خاصّة لبحث الموضوع تعقد هذا الصباح وفي تقديري سيكون لها ما بعدها. لم يكتف النواب بالإجراءات التي تمت للتخفيف عن المواطنين فلديهم المزيد القابل للتنفيذ، وعلى الأقل أعلم أن التجمع الديمقراطي النيابي الذي أنتمي إليه قد بلور سلسلة مقترحات أختصر عنوانها بتحميل الفئات الميسورة جزءا أكبر من العبء على شكل ضريبة إضافية خاصّة لتمويل زيادة استثنائية على الرواتب والتقاعدات إلى جانب آلية لزيادة الرواتب في القطاع الخاص، ففي هذه الظروف الاستثنائية يجب أن نرى التزاما استثنائيا على صعيد التكافل الاجتماعي، وليس كثيرا على الفئات الميسورة أن تقدم هذه المساهمة لضمان الأمن الاجتماعي والاستقرار فهو أمنها ورفاهها ومستقبلها نفسه.  وفي رأيي أيضا أن الآلية الصحيحة لتحقيق شعار "وصول الدعم إلى مستحقيه" هو بالزيادة النقدية على الرواتب لأن دعم السلع ينتهي بمسارب شتّى للهدر والفساد كما أنه يدعم غير المواطنين.
منذ البداية قلنا إن الثقة العالية للحكومة في التركيبة السياسية الحالية للبلد ولمجلس النواب لا تعني شيئا وليس لدى النائب سبب ليحجب الثقة سلفا عن الحكومة فما هو البديل غير حكومة أخرى مثلها فالمجلس ليس مشكلا من قوى سياسية بعضها يشكل الحكومة والبعض الآخر يذهب للمعارضة، والمراقبون الذين انتقدوا المجلس بقوّة على الثقة يعرفون هذه الحقيقة ولذلك يتحدثون فقط بإنقاذ المظاهر أي أن يظهر هناك نوع من المعارضة في المجلس! وما الحاجة لهذا النفاق التظاهري. الحقيقة كما هي أنه ليس هناك معارضة مبدئية ولا ولاء مبدئيا للحكومة التي حصلت على أغلبية كاسحة ستجد نفسها في أي مناسبة أقلية مدحورة وهذا حدث سلفا وفي آخر جلستين إذ ردّ المجلس اثنين من القوانين المقدمة من الحكومة "الجنايات الكبرى، والادعاء العام" ولم يقبل دفاعات الحكومة وخذلها بكل بساطة لصالح رأي اللجنة القانونية، وقبل ذلك ردّ المجلس قانون المعهد الدبلوماسي، ويستطيع أي مراقب للجلسات أن يرى أن المجلس يتصرف باستقلالية كاملة بل إنه شديد الحساسية لأي محاولة حكومية للتدخل والتأثير عليه.
لقد تأثر الرأي العام برقم الثقة وحصل كل من يريد على الفرصة الثمينة للسخرية والتشنيع  وتكريس الاعتقاد المغالط بأن المجلس في جيب الحكومة وخصوصا من قبل من يعمل بأجندة سياسية لتهشيم صورة المجلس ومن مواقع مختلفة، لكنني على يقين أن موجة الزبد هذه والتي بنيت كلها وفقط على تصويت الثقة سوف تتبدد وسنمتحن تدريجيا مجلس نواب أفضل وأقوى.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة