كم كان رائعا شعب مصر، كم كانوا رائعين شباب مصر، إنها واحدة من أجمل الثورات على الاطلاق، تأخر العرب كثيرا عن الركب لكنهم وصلوا بأفضل صورة. من شرارة تونس إلى بركان مصر، توفر لدينا نموذج فذّ للتغيير. الشعوب تقدر، الشباب يقودون، وكل وسائل الصدّ تنهار أمام القوّة الأخلاقية للوسائل والمشروعية الكاسحة للأهداف.
كان واضحا أن مصر أصعب من تونس والرهانات غير مضمونة، وعند كل محطّة بدا الميزان متأرجحا، فمهارة المناورة من السلطة والأخطاء المحتملة من الانتفاضة كان يمكن ان تودي بالقضية أو على الأقلّ تدخل بها إلى مسارات متعرجة، مثلا انقسام الشارع ، استيعاب الانتفاضة وإضعافها بالإصلاح الشكلي، انفلاتات الى خطوات متسرعة ووقوع مواجهات وحمام دم. "الشعب يريد اسقاط النظام" بهذه العبارة التي توسطت يافطتها ميدان التحرير هدرت الجموع. أمّا رمز سقوط النظام فهو رحيل الرئيس. لاشيء أقلّ من ذلك. لم يكن هذا تطرفا أبدا لأن الأهداف كانت شرعية جدا ومحقة ونظيفة مستقلّة عن أي أيديولوجيا أو مشروع يعشش في عقل قائد أو زعيم. ولذلك لم يتراجع التحشيد أبدا بل تصاعد حتّى النهاية. وبعد الاحتفالات بنشوة كبيرة بالنصر قدمت الثورة في اليوم التالي مباشرة خريطة طريق للتغيير، حتّى لا يعود النظام الذي سقط. إلغاء الدستور القائم وحل مجلسي الشورى والشعب وتشكيل هيئة رئاسة مشتركة مدنية وعسكرية تعين حكومة جديدة من كفاءات نزيهة ومستقلّة، وانتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا. هذا ما يعنيه قيام نظام جديد في حين كان فقهاء دستوريون وسياسيون ومحللون غارقين في إشكالية مضحكة مع ذواتهم حول العقد الدستورية في الإجراءات الممكنة أو المحتملة. الشارع لم يكن معنيا بدستورية الإجراءات، فنظام جديد يعني دستورا. وبصورة باهرة ظهر الشعب نفسه بوصفه الضامن للنظام العام والأمن وديمومة المؤسسات وتعامل مع الجيش بوصفه جيش الوطن والشعب وضامن تماسك الدولة ووحدة البلاد.
لا يمكن إجمال الدروس الباهرة لما حدث مرّة واحدة ، تذكروا كم يتكرر القول بأن الديمقراطية تحتاج الى عقود من التطور التدريجي في ثقافة الناس وسلوكهم، وفي مصر ظهرت في الأيام الأولى فوضى وحوادث النهب والسلب التي ثبت أن أمن نظام مبارك كان وراءها، بعد اختفائه الغريب من الساحة متخليا عن واجبه الأساسي في حماية الأمن والنظام، ثم إذا الشعب الثائر هو غير الشعب الذي نعرفه، حتّى بعض الذين تورطوا في سرقات أعادوا ما أخذوه، وتشكلت لجان حماية تطوعية للأحياء ورجال سير مرتجلين حسب الحاجة وظهر حرص على الممتلكات العامّة وعلى النظافة. وحسب ملاحظة مذهلة من مندوبة صحافية فهي خلال الانتفاضة لم تتعرض لتحرش جنسي واحد وسط الملايين في حين أن هذا كان سابقا معاناة يومية في كل مكان.
الشعب أفضل ألف مرّة مما يبدو عليه، ويبرر الادعاء بعدم جاهزيته للديمقراطية، بل يتكشف كم أن الاستبداد ونظام الفساد يشكّل السلوك والأخلاق العامّة وظواهر التخلف الاجتماعي على النحو الذي نراه في مجتمعاتنا العربية. أي منارة أضاءت سماء العر ب هذه الأيام، وأي شمس أشرقت وأي زمن جديد ولجناه مع ثورة مصر.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة