يخط الشعبان التونسي والمصري مسارا أصيلا للثورة، اذ يطرحان ويتابعان بدقة المطالب التي تؤدّي الى تغيير حقيقي وشامل. وما يزال الشارع نفسه الذي أسقط رأس السلطة يفرض ارادته خطوة بعد أخرى حتى الانجاز الكامل لهدف اطاحة النظام القديم وبناء النظام الجديد.
كان البعض قد قلل من شأن الثورتين اذ بقيت مؤسسات النظام القديم ورجاله في السلطة بعد الاطاحة بالرأس، ورأى بعض هؤلاء كالعادة أن المايسترو الأميركي وراء الأحداث يضبط ايقاعها وفق مخطط مقرر سلفا يستهدف التخلص من الرؤوس المستهلكة بعد أن بات ذلك ضروريا لادامة النظام نفسه.
بتماثل يشبه تماثل الشوط الأول للثورة يفرض الشارع ارادته وينتزع كل خطوة لاحقة. والمسار في البلدين متماثل .. اقالة الحكومة المعينة من رجالات المرحلة السابقة والغاء الدستور القديم واجراء انتخابات لجمعية تأسيسية تضع دستورا جديدا تجري بموجبه انتخابات تشريعية ورئاسية، اذا قرر الدستور الجديد اساسا ابقاء الجمهورية الرئاسية (حيث الرئيس ينتخب من الشعب مباشرة ويقود السلطة التنفيذية) أو استبدالها بجمهورية برلمانية (حيث البرلمان ينتخب رئيس الجمهورية وينتخب السلطة التنفيذية). وقد عادت التعبئة العامّة في الشارع وفرضت اطاحة الحكومتين.
وبينما اعلن رئيس الحكومة التونسية وقف العمل بالدستور القديم ذهب رئيس الحكومة المصرية الجديد الى ميدان التحرير للحصول على الشرعية من الثورة. وبموجب هذه المرجعية الجديدة؛ فالحكومتان ستذهبان الى انتخابات مجلس تأسيسي وليس الى انتخابات رئاسية وتشريعية استنادا الى الدستور السابق وفق ما كانت تخطط الحكومتان السابقتان. الحكومة التونسية اقرت التوجه الى انتخابات مجلس تأسيسي في تموز المقبل وبذلك فرض الشعب ارادته لانجاز التغيير حقيقيا وكاملا ونجزم ان الشيء عينه سيحدث في مصر.
المسار أكثر دموية في ليبيا القذافي وأكثر تعرجا وتعقيدا في اليمن والجزائر؛ ولكن ليس لعين أن تخطئ حقيقة ان العالم العربي كله يموج بارادة الاصلاح والتغيير.
في بعض الدول التغيير يعني اسقاط أنظمة وفي غيرها اصلاح أنظمة. فماذا يريد الشعب في الأردن؟
وفق الشعار الرئيس الذي تصدر مظاهرة أول من أمس فان "الشعب يريد اصلاح النظام"؛ والحقيقة أن الشعب بالمعنى الأوسع للكلمة يراقب ولم ينزل الى الشارع بعد، لكن لم نلحظ أحدا يطرح شيئا غير اصلاح النظام. وليس مريحا مظاهر التعبئة خلال الاسبوع الفائت بالولاء للنظام كما لو أن أنصار الاصلاح هم أعداء النظام، وهذه التعبئة في السياق الراهن تأخذ معنى المواجهة مع مطالب الاصلاح والارتداد عليه. واذا كان الأمر كذلك فعلا فهو يتناقض رأسيا مع ارادة جلالة الملك التي عبّر عنها في الخطب والتصريحات واللقاءات الموسعة، كما في اللقاءات الثنائية المنفردة مع فعاليات، وقد كنت في واحدة منها وسمعت شخصيا من جلالة الملك ليس فقط الافكار المتقدمة عن الاصلاح السياسي بل الاصلاح الدستوري ايضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة