يقال في المجالس العفوية واليومية غير ما ينشر ويقال علنا، وهذا أمر طبيعي، ولكن غير الطبيعي هو التناقض الكبير بين الهمس والجهر.
من المقبول أن يقول المواطنون ملاحظات ويرووا قصصا صحيحة أو غير صحيحة عن مسؤول أو صديق أو زميل أو قريب، ويتحدثون في العلن بلغة منضبطة عن التجاوزات وعدم الكفاءة، ولكن من غير المقبول، وهذا هو الأكثر شيوعا، أن يكون المسؤول أو غيره فذلك يشمل الاصدقاء والزملاء والأقارب في مجالس الهمس شيطانا شريرا فاسدا محاطا بالقصص والفضائح والنقائص ويكون في المجالس العلنية ملاكا للخير والمحبة والتضحية والكفاء والإنجاز.
ثمة سهولة وجرأة كبيرة جدا في مجالس الهمس على أعراض الناس وخصوصياتهم وتاريخهم وعلاقاتهم ودخولهم وأعمالهم، ونقل واصطناع للأخبار والقصص، ولكن هذا الضحية الذي يقطع ويفتت في موائد المجالس هو الوحيد الذي لا يعلم شيئا عما يقال بحقه، فهو عندما يكون حاضرا يكون من خيرة الناس وأفضلهم، وربما/ وغالبا ما يشارك الآخرين في التهام ضحية أخرى غير حاضرة بالطبع من الأصدقاء والزملاء أوالشخصيات العامة والسياسية والاقتصادية والثقافية.
لا يمتنع الكثير من الناس، ويبدو ذلك متقبلا، عن الجمع بين التقرب من شخصية عامة ومدحه وزيارته وبين شتمه بل ونحره في المجالس، وفي هذا الجو تزدهر بالطبع اقتصاديات النميمة ونقل ما قيل ولم يقل في المجالس، ويمكن أن تكون عرضة للاتهام والكراهية والحقد بسبب ما ينقل عنك مما لم تقله ولا تعلم عنه شيئا.
ما المقبول وما المرفوض في الهمس والجهر؟ وما تفسير الظاهرة المتفشية لدينا لدرجة تجعل الحياة قاسية على من لا يشارك في موائد الهمس وتدفعه إلى العزلة والحذر والتحفظ؟
بالطبع فإن الهمس ثقافة ضرورية إن بقيت في حدودها ومسارها الآمن والمنتج أيضا، فهي تساعد على التوعية والتحليل وفهم وتقدير الأزمات والمشكلات من دون ضجة وفضائح واحتقانات وتراتيب قانونية وإدارية، وتفتح أيضا قنوات واسعة وغير رسمية للمعرفة، لكن الأزمة الحقيقية تقع في العجز عن التمدن أو إنشاء بيئة مدينية، وفي غياب ثقافة من الحريات والسلوك تسمح بالوضوح والنقد من دون مغامرة كبيرة، وتلك قضية ربما تحتاج إلى معالجة مستقلة.
ما يمكن قوله هنا إن الهمس يمكن أن يكون مصدرا للمعرفة في بيئة سليمة أو عادية، ولكنه اليوم يتحول إلى متاهة لا تفيد، ويتحول أيضا إلى أزمة تحتاج إلى علاج وتحليل، وأتوقع أنها ظاهرة غير متعلقة بالحريات السياسية والاجتماعية، ففي حالات الخوف وغياب الحريات يسود الصمت وليس الهمس.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد