أمّا وقد أصبح لأيام الجمع في هذا الربيع العربي أسماء يطلقها الناشطون في كل بلد، فإنني أسارع لاقتراح أن يكون اسم الجمعة القادمة عندنا هو "جمعة الدستور". فالدستور أبو القوانين والوثيقة التأسيسية للدولة ونظام الحكم، وهو عنوان الإصلاح وما دونه تفاصيل.
وإذ فرغت لجنة مراجعة الدستور من عملها، وستكون قد قدمت نتائج عملها لجلالة الملك في حفل إفطار أمس، فالأيام القادمة ستكون كلها للدستور، وما قدمته اللجنة سيخضع للتداول العام وصولا إلى التصويت عليه في مجلس الأمّة.
لقد نما إلى أسماعنا أن الدعوة إلى اجتماع لمجلس النواب لإقرار التعديلات ستتم قبل نهاية الأسبوع الحالي. وإذا صحّ ذلك، فهو تسرع غير معقول، ويعطي الانطباع بأن القرار "سيسلق سلقا"، وسينفتح الباب لردود فعل سلبية كبيرة. والأصح أن يترك لردود الفعل والآراء والمناقشات من الأوساط السياسية والاجتماعية والثقافية أن تأخذ وقتها لأسبوعين أو ثلاثة قبل حسم القرار الذي يجب أن يأخذ بالاعتبار ما يعكسه المناخ العام.
كانت بعض مصادر اللجنة قد تحدثت عن إصلاحات تفوق أكثر التوقعات طموحا. ولا نستطيع أن نحكم حتى نرى النصّ الرسمي النهائي، أمّا ما تسرب من نصوص غير نهائية فإن الانطباع الذي تعطيه هو أن هناك تقدما رائعا في كل شيء إلا.. في بنية السلطة وتوزيعها، إذ يبدو أن كل شيء بقي على حاله.
لقد تمّت إزالة التعديلات التي جرت على دستور 1952، والتي تسمح بحلّ مجلس النواب وتأجيل الانتخابات الى ما شاء الله. لكن مكانة مجلس النواب تبقى في كل الأحوال ضعيفة ومكبلة في دستور 1952 نفسه، ولا تترجم بصورة فعلية المبدأ الدستوري الأساسي وهو أن الأمّة (أو الشعب وفق التعبير المقترح في التعديلات) مصدر السلطات. وكان يمكن تقوية سلطة مجلس نواب الشعب المنتخب التي توازيها وتقيدها سلطة مجلس الأعيان المعين. ويبدو أن توصيف كل سلطة من السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، لم يتغير.
لا شك أن هناك تعديلات إيجابية عصرية ومهمّة للغاية، مثل إنشاء المحكمة الدستورية إلى جانب التعديلات التي تتركز على الحريات وحقوق الإنسان والالتزام بالعهود الدولية الخاصّة بها، لكن يبدو أنه قد تم تزيين الدستور بكثير من الورود، مقابل عدم المسّ بتوزيع السلطات، وهي في الدستور الأردني ترجح بصورة واضحة كفّة السلطة التنفيذية. 
هذه لحظة تاريخية مهمّة، ويجب أن يشعر الشعب أن الإصلاح المنشود قد أنجز بالفعل وبالدرجة الجديرة بتغيير تاريخي يحاكي الطموح بسيادة عصر الشعوب والديمقراطية. يجب أن يظهر واضحا وأكيدا أنه لم يعد ولن يعود هناك أي إدارة خفية للقرار، وأن السلطة تمارس بصورة شفافة وواضحة وعبر القنوات والمؤسسات والاختصاصات المنصوص عليها في الدستور.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة