عرفنا فيما مضى نشوة الانتصار، أو بالأحرى قرأنا عنها ولم نشعر بها، ولكننا اليوم بصدد نشوة من طراز جديد، هي نشوة الاعتذار، والمقصود اعتذار كيان العدو الصهيوني لتركيا
بداية مشاعرنا كعرب ومسلمين تجاه هذا الاعتذار ملتبس إلى حد كبير، فانا لم أكن أفضل أن يتم، ولا أرغب ابدا بعلاقة طبيعية بين تركيا اردوغان وكيان محتل غاصب كإسرائيل، ولكن الطريقة التي تم فيها هذا الاعتذار، يسجل إنجازا جديدا لسجل هذا الرجل العثماني الجديد، الذي ما فتىء يعطينا كل يوم دليلا جديدا على أنه رجل دولة من طراز فريد |
إسرائيل لبت صاغرة كل شروط الرجل لقبول الاعتذار بعد قتلها تسعة نشطاء أتراك مؤيدين للفلسطينيين في عام 2010 وهي ثلاثة شروط: اعتذار واضح ودفع تعويضات لعائلات الضحايا وتخفيف الحصار المفروض على قطاع غزة، ولكن المقابل كان باهظا أيضا، وهو «تطبيع» العلاقات مع الكيان الغاصب |
في حسابات الدول، ربما يعد الأمر انتصارا لتركيا، ولكنه ليس هزيمة لإسرائيل بالتأكيد، غير أن دلالته تتجاوز هذا التبسيط، فعلاقات تركيا بإسرائيل لم تنقطع، وهي موروثة من زمن مضى، كما ورثت مصر مرسي كامب ديفيد، وقد تلا هذا وذاك سلسلة طويلة من الاستحقاقات الثنائية والاقليمية والدولية، وليس من السهل التنصل منها بين ليلة وضحاها، لكن الفرق هنا طبيعة العلاقة بين «دولتين» هل هي علاقة سوية ندية أم علاقة سيد بعبد، أو يد عليا ويد دنيا، وهنا هي المسألة |
لم يستطع أردوغان الذي يعتزم زيارة الأراضي الفلسطينية بما في ذلك قطاع غزة الشهر المقبل، أن يخفي شعوره بالانتصار، وحق له ذلك، وإن كانت الأنباء تتحدث في الكواليس عن تفاصيل أخرى، تحاول اسرائيل أن تسربها، كي تبرر ما قدمته من اعتذار، ولا نسلم بصحتها طبعا، وربما هي للاستهلاك المحلي، فقد نقل عن نائب وزير الخارجية الصهيوني السابق «داني أيالون» أن رئيس الوزراء التركي رفض قبل عامين عرضاً اسرائيلياً مشابهاً للعرض الذي وافق عليه مؤخراً، يتضمن اعتذاراً هاتفياً وتقديم تعويضات للأهالي الذين قتلوا على سفينة مرمرة». وقال ايضا أن «إسرائيل وافقت على تقديم الاعتذار هاتفياً لأردوغان إلا أنه رفض ذلك ولم يكن مستعداً لتسوية الأمور، مشيراً إلى أن رئيس الوزراء التركي وافق بمرونة على الوساطة الأميركية عقب «الخطأ | » الذي ارتكبه بتصريحاته الأخيرة الشهر الماضي التي قال فيها أن «الصهيونية جريمة ضد الإنسانية، وردود الفعل الغربية الغاضبة التي أعقبتها» |
نعم، ربما يكون لهذا الأمر دوره في قبول الاعتذار، وربما يكون الملف السوري ووساطة أوباما سرعا فيه، لكنه يقدم نموذجا لتصرف دولة تحترم نفسها، وتقدس ابناءها، ولا تتهاون بكرامتهم، في حين أن إسرائيل دأبت على وطء رؤوسنا في غير موقعة، ولم يجرؤ زعيم على الإتيان بما اقدم عليه اردوغان، فلم لا ينتشي بهذا الاعتذار؟
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |