يحدث الآن ما حذرنا منه كثيرا بدون أن نلقى أذنا صاغية، لا من الحكومة التي قدمت قانون البلديات بالصيغة القديمة ولا من الأعيان الذين ردّوا صيغتنا البديلة بحجّة عدم دستورية إدخال أفكار جديدة على مشروع الحكومة.
حذرنا من إقدام الناس على رفض المشاركة في الانتخابات في ظلّ الدمج في العديد من المناطق وها نحن نرى الأهالي هنا وهناك يعتصمون ويقاومون وبعضهم احتل أو أغلق مكاتب تسجيل الناخبين.
فعلنا ذلك في أكثر من مقال وتصريح، وفي النقاشات في مجلس النواب الذي أقرّ المجالس المحلية ثم في الجلسة التي أصر فيها النواب على موقفهم بعد عودة المشروع مرفوضا من الأعيان. والمناسبة الوحيدة التي لم يتح لي فيها إعلاء الصوت كان في الجلسة المشتركة بين الأعيان والنواب لحسم القرار، والسبب البسيط أن رئيس الجلسة المشتركة ( رئيس مجلس الأعيان) لم يعطني الميكرفون خشية من التوتر كما قال لي بعد ذلك، ولاعتقاده أنني سأردّ على من اتهمني بممارسة الإرهاب الفكري والتحريض على التمرد.
في الحقيقة لم أكن أمارس أبدا التحريض على التمرد أو ترهيب الرأي الآخر، بل كنت بكل إخلاص أنبه إلى حقيقة أراها ماثلة حتما أمامي وهي أن الناس يرفضون الدمج وقد يقاطعون الانتخابات، ونحن لا نريد فشل الانتخابات، وقبل ذلك نريد تطويرا حقيقيا على البلديات. والى حين نضوج رؤية بديلة كاملة للحكم المحلي واللامركزية، فقد اقترحنا للبلديات التي ستبقى مندمجة وجود مستويين هما المجالس المحلية في كل بلدة وقرية وهي التي تقوم بجميع الخدمات البلدية ضمن الموازنة المخصصة لها ثم المجلس المشترك بينها على مستوى اللواء.
ولسبب غير مفهوم خلا مشروع الحكومة من هذا التصور وبقي على الوضع القديم، فاضطررنا لإدخال مشروع المجالس المحلية مجددا في القانون بطريقة الجبر والتزبيط، فالوقت تأخر على ردّ القانون الذي أكل الدهر وشرب على نصوصه البالية ولم تكن الحكومة مستعدّة للتقدم بمشروع جديد كليا.
دخلنا في سجال مع الأعيان الذين تمسكوا بأسبابهم الشكلية لردّ مشروعنا. ومع الأسف الشديد كان هناك تمترس وتعال لا يأبه للنتائج مهما كانت. ولا أريد ان أخمن بأسباب الناس وخلفية مواقفهم، ولعلّ البعض لم يصدق تحذيراتنا كما لم تساعدنا الحكومة بالمخرج البديل المقترح وهو سحب القانون وإعادته متضمنا مشروع المجالس المحلية.
والآن لا ندري ماذا نقول للحكومة وهي في منتصف النهر، فالحلّ الصحيح فاتنا، والوقت ضاق على دراسة مطالب جديدة للفصل، وحتى تقسيم المناطق الانتخابية يلاقي هنا وهناك اعتراضات قوّية. وقد بدأ المسار القانوني بمحطّاته الملزمة ولم يبق للحكومة سوى الوعود بالفصل بعد الانتخابات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة