سأقفز اليوم عن كل ما اعتدنا عليه من إطلاق صواريخ الشتم والذم باتجاه دولة العدو الصهيوني، ولن أضعها بين قوسين، إذ بعد مرور خمس وستين سنة على ما نسميها «النكبة» وما يسمونه «عيد الاستقلال» علينا أن «نتواضع» قليلا وننتقل للجلوس في المقعد المقابل، كي نرى المشهد بعيونهم هم، لا بعيوننا نحن كما اعتدنا منذ سنوات سحيقة، بعد أن اصبحنا نحن عربا ومسلمين كلنا بين قوسين، أو كدنا

لن أقول أن من «حقهم» أن يحتفلوا، لأن هذا الحق لم يكن في يوم الأيام لهم، بل اغتصبوه بالقوة والبطش والقتل، بل أقول ان «القتلة» يحتفلون بنتائج «إنجازهم» و «إخفاقنا» فما يُبنى على الأرض يحتاج إلى معاول وتفان وإخلاص في الوطنية لا إلى خيانات وخيبات ومؤامرات، وهم امتشقوا معاولهم ودباباتهم وطائراتهم، وبنوا «دولة» على أنقاض شعب و»دولة» كان ثمة قرار دولي (أعجمي وعربي) أن لا تقوم، وهذا ما حصل.

حينما طالعت هذا الصباح انعكاس صورة «الاحتفال» في صحافتهم، شعرت بالغيرة والحسد، والقهر أيضا، فما فعلوه يستحق أن نتعلم منه، وقبل هذا، اتذكر مقولة مناحيم بيغن قائد عصابات الأرغون، التي ارتكبت مع غيرها من العصابات مذبحة دير ياسين، ومن ثم اصبح رئيسا للوزراء في كيانهم، بيغن قال في كتابه «التمرد» أو الثورة: لولا مذبحة دير ياسين لما قامت إسرائيل علما بأنه يعترف في الكتاب ذاته، ان اهل القرية قاتلوا بشراسة، ويقول بالحرف الواحد: إن نارهم كانت حامية، وقد اضطر اليهود أن يقاتلوا الفلسطينيين من بيت إلى بيت، ومن حارة إلى حارة، وهنا مسألتان في ذكرى النكبة، الأولى ان المذابح التي ارتكبها اليهود ضد العرب كانت الوقود الذي اشعل يوم «استقلالهم» والثانية أن الضحايا لم يُسلموا رقابهم للذبح، ولم يهربوا، كما يقال، بل ناجزوا العدو وحاربوه بكل ما أوتوا من قوة و.. «خذلان» ايضا

وعودة قليلا لصورة «عيد الاستقلال» كما رسموها هم، ففي صحيفة هآرتس مثلا، ترى صورتين كبيرتين في الصفحة الرئيسية، في الأولى يظهر جنود مطأطئين رؤوسهم حدادا على أرواح قتلاهم، وعنونت الصورة بكلمة «الألم»، وفي الثانية يظهر أطفال يسرحون في حقل أخضر ويرفعون أعلام «الدولة» مبتهجين وعنونت الصورة بكلمة «الفخر» وهو فخر يوازي الخيبة التي نشعر بها، أما يديعوت احرونوت فقد نشرت صورة توسطت الصفحة الرئيسية تظهر فيها مجندتان تضعان أكاليل من الزهور على أضرحة القتلى، وعنوان بارز باللونين الأسود والأبيض «بفضل الشهداء» وفي الجزء السفلي من الصفحة الرئيسية تظهر مجموعة من الأطفال يرفعون الأعلام مبتسمين مرحين() وعنوان بارز باللونين الأبيض والأزرق «نستطيع أن نحتفل» نعم، يستطيعون ان يحتفلوا، ونحن أيضا، ولكن بعد أن يخرج علينا رئيس أركان جيش عربي، يقول ما قاله بالأمس رئيس أركانهم غانتس محذرا «أعداء إسرائيل» قائلا لهم (لنا): «إن اليد الطويلة لجيش الدفاع تستطيع أن تصل إلى كل مكان وكل هدف»

بقي مقتطف بالغ الأهمية، كتبته الأديبة تسروياه شاليف في الصحيفة نفسها، حين وصفت «دولتهم» أنها تبلغ فقط خمسة وستين عاما ولكن في أعماقها روحا قديمة تعود إلى آلاف السنين()...أحيانا تبدو لنا مسنة ضعيفة مريضة لا مستقبل لها وأحيانا تبدو شابة مراهقة هائجة لا تنظر إلى أحد سوى إلى نفسها هي رمزية الاحتفال بعيد «الاستقلال» لن تكتمل طبعا، بدون نشر النسخة الأصلية من وعد بلفور- الوثيقة البريطانية التي تعترف بحق «الشعب اليهودي» في العيش في فلسطين- حيث ستعرض هذه الوثيقة في إسرائيل، كما تقول الصحيفة، كي لا ننسى نحن وهم أيضا، ما جرى على وجه التحديد


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية