أعتقد أن الأيام التي كنّا نسمع فيها تصويتات من نوع "ثقة ونص" أو "ثقة وطبشة"، قد ولّت. والآن ينطق النائب كلمة "ثقة" بتثاقل، كما لو أنه ينوء بحملها.
في الديمقراطيات الناجزة تكون جلسة التصويت على الثقة إجراء بروتوكوليا، لأن تكوين الأغلبية قد جرى قبل ذلك أثناء تشكيل الحكومة والمفاوضات لبناء ائتلاف برلماني يملك الأغلبية، هذا إلا إذا فاز حزب أو قائمة مؤتلفة بأغلبية المقاعد، وسيكون معروفا بالضبط عدد الأصوات التي ستحصل عليها الحكومة.
يقضي الفولكلور الأردني أن يكون عدد الأصوات التي ستحصل عليها الحكومة موضوع تخمين ورهانات طوال الأيام السابقة وحتى يوم جلسة الثقة وقيام آخر نائب بالتصويت، حيث يتحزّر النواب حول تصويت زملائهم اللاحقين في الجلسة نفسها.
طبعا السبب معروف، وهو أن مجلس نوابنا ليس مشكلا من قوى سياسية وأحزاب، بل أفراد لا يربطهم مع بعضهم أو مع التلاوين السياسية رابط، وحتّى إن وجد مثل هذا الرابط فهو (باستثناء الإسلاميين) رابط هشّ تتقدم عليه الأولويات الخاصّة بالنائب نفسه الذي لم ينجح بالأساس على قائمة حزب بل بجهده وقاعدته الشعبية الخاصّة به.
لكن ليس هذا السبب الوحيد، بل إن السبب الآخر الذي يديم الأول هو أن الحكومات لا تقررها ابتداء المجالس النيابية، فهي تنشأ وتبدأ بممارسة عملها كحكومة شرعية ثم تذهب إلى المجلس كمتطلب تكميلي. بل إنه، وقبل التعديلات الدستورية مؤخرا، لم تكن الحكومة تذهب لنيل الثقة، فالحكومة لا تحتاج إلى أصوات المجلس لنيل الثقة لأن التصويت هو على حجب الثقة، فإذا لم يحجب أكثر من نصف الأعضاء لا تسقط الحكومة. بهذه الطريقة لا حاجة لنشوء كتل أو أحزاب تتنافس على السلطة. وبالفعل، فبعد عشرين عاما من عودة الحياة البرلمانية الديمقراطية بقي مجلس النواب ونمط النيابة على حالهما لم يتغيّرا، وهما لن يتغيرّا إذا لم يحصل الإصلاح السياسي الذي نتحدث عنه.
في كلمتي للثقة تحت القبّة قلت إننا منحنا الثقة لحكومة الرفاعي بتعهد منها بإنجاز إصلاح سياسي يجعلها آخر الحكومات غير المنتخبة برلمانيا، لكن الحكومة رحلت بعد أربعين يوما مع رياح الربيع العربي، واستمر تشكيل الحكومات بنفس الطريقة القديمة حتّى بعد التعديلات الدستورية التي تفرض حصول الحكومة على ثقة ما يزيد على نصف نواب المجلس. وكان موقفي أنه لا ثقة لحكومات تتشكل هكذا. ومع الأسف، فإن حكومة د. عون الخصاونة تشكلت بنفس الطريقة.
يمكن أنْ يقال ولم لا تعطى هذه الحكومة فرصة إنجاز الإصلاح الذي يجعلها آخر الحكومات غير المنتخبة؟! هنا نصل إلى برنامج الحكومة؛ فلا برنامج الحكومة المكتوب يتضمن هذا الالتزام واستحقاقاته، ولا طبيعة التشكيل الحكومي التكنوقراطي والمناطقي تقول ذلك.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة