تواجه الحكومة في الشأن الاقتصادي حائطا مسدودا يضعها أمام أحد خيارين؛ إمّا قبول المخاطرة بالقفز فوق الحائط، أو أن تكتفي بالدوران حول نفسها حتى السقوط ولو بعد حين. ونقصد إمّا الإقدام على خيارات استثنائية جريئة وغير تقلديدية، أو أن تبقى تداري التحديات الأخطر بالطرق القديمة، وهي تعرف أنها لا تحلّ شيئا، ورهانها المضمر هو مساعدات سخية من الأشقاء.
من حقنا الأمل بمساعدات، لكن هذه ليست سياسة لاعتمادها، والأصدقاء لا يتحمسون لدعم يخشون مجددا أنه لا يذهب في القنوات السليمة، حيث نعود بعد عامين أو ثلاثة أعوام إلى نفس الموقف. وهم قد يتحمسون للدعم إذ يرون حكومة غير تقيلدية، تقتحم آفاقا جديدة بإصلاحات حاسمة وخيارات استثنائية لا يشوبها الفساد.
لنأخذ موضوع البطالة، فماذا ستفعل الحكومة؟! بالطبع، البيان الوزاري يعد بأن الحكومة ستعمل على خلق فرص العمل بتشجيع الاستثمار والتدريب، وغير ذلك مما يقال كل مرّة وفي أي بيان للثقة. لكن على الأرض نحن نعرف ما يلي: الحكومة لديها عجز يتجاوز المليار وربع المليار دينار للعام القادم، وملتزمة بالاستمرار بوقف التوظيف في القطاع العام، ويبقى القطاع الخاص الذي يعاني من الركود ولا يعد بأي توسع في فرص العمل إن لم يكن العكس، هذا بينما ستقذف الجامعات إلى السوق ما يزيد على 65 ألف خريج جديد أكثر من نصفهم من الفتيات، ونحن نعلم أن السوق تمتص كمعدل سنوي أقلّ من نصف هذا العدد، بينهم نسبة متواضعة من الخريجات!
إذن، من دون رؤية مبتكرة وأفكار استثنائية، فإن مشكلة البطالة مرشحة للتفاقم، ولا داعي لدفن الرأس في الرمل. ما نحتاجه مثلا، أن تقول الحكومة إنها تنوي إحلال مائة ألف فرصة عمل للأردنيين محل العمالة الوافدة. وهذا ليس كلاما في الهواء، لأن هناك أكثر من نصف مليون عامل وافد يغطون بعض القطاعات بالكامل. لكن تطبيق القرار هو تحدّ لا قبل للحكومة به إذا لم تلبس دروعا ثقيلة وتتسلح بإرادة صلبة، فالقرار يتطلب إغلاق بعض القطاعات كليا أو جزئيا أمام العمالة الوافدة، وقد تكون له مؤقتا آثار جانبية تخيف المسؤولين، وهو قد يجد مقاومة شرسة وحتى عصيانا. وخذ مقترحا آخر مثل خدمة العلم للشباب والفتيات، والذي يمكن تطبيقه على شكل خدمة في العمل في مرافق مدنية بعد فترة تدريب عسكرية قصيرة. المقترح سيعني امتصاص معظم بطالة الشباب بكلفة مالية كبيرة، لكنها ضئيلة مقارنة بالمردود الاستراتيجي لهذا الخيار. لكن مثل هذا القرار يجب أن يتحدّى ثقافة المجتمع وترهل الإدارة والتنظيم وكسل الأجهزة المدنية والعسكرية.
نفهم أن بيان الحكومة لغايات الثقة يذهب إلى التعويم والبقاء في منطقة الحياد الإيجابي مع وجهات نظر ومصالح شتّى، لكن في اليوم التالي ستصحو الحكومة وأمامها جدار لا سبيل لها سوى خيار النكوص أمامه أو القفز.. ونحن ندعوها للقفز.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة