هل هي أغنية أردنية التي تغنيها فيروز "يا راعي القصب"؟ هي على أية حال باللهجة الأردنية، الشمالية بخاصة، يخاف صاحب الموال أن يبوح الناي "بالسر اللي في عروقي"، كأن الناي قوة تعبيرية هائلة تكشف الأعماق وأسرار النفس والحياة والكون،..
ما مناسبة هذا الحديث اليوم؟
الأسرار والمعاني الممكن معرفتها بلا بوح ولا وثائق وإعلان، ما يمكن أن تمنحنا إياه الإشارات والرموز والصور من معان وأخبار وأسرار ومواقف هي على قدر من الضخامة والخطورة تفوق ما يمكن أن تكشفه الوثائق السرية والمحاضر الخاصة والاجتماعات المغلقة والأخبار المكتومة.
كأن الأخبار كلها ما مضى منها وما سيحدث أيضا ملقاة في الفضاء وعلى الأرصفة، وتحوم حول البشر وهم يتحدثون ويظهرون ويسيرون، تتدفق مثل موجات يمكنك التقاطها، مشاهدتها، سماعها، حتى الأسرار التي تختبئ في العروق، الأحلام الصغيرة، قصص الطفولة، والأفكار والهواجس والعقد والأحقاد والمحبة والكراهية، والمؤامرات والضعف والقوة والرغبة والشك والسؤال والحقيقة (هل ثمة حقيقة؟).
وفي التراث: العيون مغارف، والإناء ينضح بما فيه، وزلات اللسان والعين في لحظة بالغة الصغر والدقة لعلها تقل عن عشر ثانية، تفيض بأخبار وقصص وأسرار وتوقعات، "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور".
ما كان وما هو كائن وما سيكون، يكاد يكون كتابا مقروءا، .. ما علينا.
خالد مشعل في حديثه المسجل أول من أمس لم يقل شيئا، لكنه أخبر بكل شيء!
ليس هذا خالد مشعل في قدرته على الحديث والحجة وفي تدفقه، لم يكن يوما بحاجة إلى أن ينظر في ورقة أمامه ويطيل النظر والتفكير، ثم يقول شيئا لا يحتاج إلى ورقة، كأنه يفكر فيما لا يقوله وليس ما يقوله، هو يعلم أنه يجب أن يقول غير ذلك، وأنه ينتظر منه غير ذلك، ويستطيع لو كان قادرا أن يقول.
هذا الارتباك، وتلك النظرة، وهذه الملامح تخفي الكثير وتبوح به أيضا، لا تنسجم أبدا مع حديث مسجل يعد بهدوء، أبو الوليد كان يرتجل بتدفق وقدرات تفوق بكثير هذا الحديث المسجل المكتوم كأنه أنين وحشرجة، والمكان الذي يتحدث منه، الورق الملصق على الجدار خلفه، والأعلام الموضوعة على عجل تشي بأنه مكان يبعث على الضيق والألم، والخوف أيضا، يبدو أقل بكثير من المكان الذي ظهر منه أسامة بن لادن في أحاديثه المتلفزة.
كأننا كنا بالأمس على موعد مع النهاية، نهاية كل شيء، التيه الكبير مرة أخرى، الآمال الكبيرة، والملاحم والذكريات والجماعات، كأنها مسلسل مكسيكي انتهى بالأمس، كأننا على موعد مع عالم جديد بلا جماعات إسلامية.
كأننا على موعد مع نهايات أخرى متجددة، الحزن والرحيل والفناء والموت "والدم المراق بلا انتهاء"، كيف نفلت من رحلات ومغامرات صيد الرجال القادمة، المبهجة والمسلية؟ كيف لا نعرف أننا لسنا ديناصورات؟ كيف نعرف أن ذلك النجم في السماء لا يصلنا منه سوى ضوئه، ولكنه فني قبل ألف عام؟
أضغاث أحلام تشبثنا بها، تقول مع السياب "ويمضي الرجال ويبقى السراب"، تبشرنا بأننا سنتحول إلى بوسترات و"تي شيرتات" مزينة بالصور والقصص، والأشباح المتدفقة في صناديق الانتخابات، وتذكرنا بالبدايات، كأنها مصادفات شكلت الدول والتاريخ والجماعات والحروب، بدايات كلما عدنا إليها ننسى،.. نتحايل على حماقاتنا بالنسيان، ولكن البداية أقوى دائما.
كلمة خالد مشعل تشبه رسالة الزير سالم التي عاد بها مرافقاه:
"من مبلغ الحيين أن مهلهلا لله دركما ودر أبيكما"
فقرأت اليمامة ابنة أخيه الرسالة بأنها:
من مبلغ الحيين أن مهلهلا أضحى قتيلا في الحي مجندلا
لله دركما ودر أبيكما لا يبرح العبدان حتى يقتلا
أخشى أننا أمام سيناريو آخر يكرر قصة عبد الله أوجالان. يا حسرتي عليك يا "أبو الوليد"
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد