سأحدثك اليوم عن أمي، هل تعرفينها؟ تشبهك كثيرا، هي ليست أمي فقط بالمعنى الحرفي، كانت أما لكثيرين، شأنها شأن الأمهات الطيبات، اللواتي يوزعن أمومتهن بسخاء على كل محتاج

لا تستغربي من كلامي، وقولي «كل محتاج» فالأمومة كما الخبز الذي يسد الجوع، تسد جوعا وجدانيا لا يسده إلاها، وثمة في هذا العالم من ليس لديهم أمهات، فهم محتاجون للأمومة، ويستجدونها: لله يا محسنين.. «ضمة» أمومة، نعم، أمّا أولئك الذين خلت حياتهم من دفء أحضان الأمهات، ولم يتذوقوا طعم اللهفة في عيونهن ذات حمّى ليلة مفاجئة، فهم أشقياء إلى حد الشفقة، هؤلاء إنسانيتهم ناقصة، ولديهم قسوة غير محتملة، لأن سحر الأمومة لم يمر على قلوبهم المتيبسة، كم إرثي لهم، وأشفق، ما اتعسهم، فكم فاتهم من خير ومتعة ولذائذ لا يعوضها شيء أبدا

اسمعي، هل تقوين على ان تكوني أما؟ أنا أفهم أن من أخص خصوصيات الأم أنها تعطي بلا مقابل، أقصد لا تنتظر مقابلا، وبالأحرى، لا تمارس أمومتها باعتبارها صفقة، ولكنها كبقية خلق الله، تؤمن بقول رب العزة: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فهي تأمل وتتوقع أن تعود عليها أمومتها بنفع أو فائدة ما، حتى ولو كانت نظرة حب، او لمسة حنان، ولكن حينما تعطي لفن العطاء جزءا من كيميائها، ولا تنتظر من بعد جزاء ولا شكورا، هل تقوين على هذا الحِمْل؟

على فكرة، نسيت أن أقول، الرجل يحتاج دائما إلى أم، حتى وهو في شرخ الكهولة، هو «مصمم» هكذا، ثمة خانة في حياته لا تسدها إلا «أم» من نوع ما، أحيانا تكون هذه الأم الأخت الكبرى، واحيانا إحدى بناته، وغالبا ما تكون حبيبته، أو بتعبير آخر: زوجته، (إن استطاعت أن تكون حبيبة) وحينما لا يجد هذه «الأم» يدور باحثا عنها، وحيثما وجد الدفء والحنان، نصب خيامه وأقام، فلا تسألي عنه لم هرب أو غاب او تفلت، بل «اسألي روحك»

هناك مسألة اخرى، الأمهات لا يخطئن، ليس لأنهن معصومات عن الخطأ، فكل ابن آدم خطّاء، ولكن لأن اخطاءهن مغفورة، ويجب أن يُتسامح معها، فورا، لأنهن امهات، والأمهات لديهن ما يكفي من أسباب ومبررات ان يفعلن ما يردن بالأبناء، ليس لأنهن عبقريات، بل لأن قلب الأم لا يمكن أن يخون أو «يبوق» أو ينقلب ضد طبيعته، إلا إذا واجه ابنا معجونا بالعقوق، وحتى في هذه الحالة، يبقى لدى الأم أمل بعودة ذلك العاق، فلا تبادله عقوقا بعقوق

أخيرا..

أود أن أذكرك أن أمي -رحمة الله عليها- أوصتني مرة بقولها: (امش على مهلك لتقطع تالي أهلك) واصدقك القول، انني ما التزمت بهذه النصيحة إلا وكان النجاح حليفي، وما حدت عنها إلا وزلت بي القدم، فترفقي بي، كيلا أقطع تالي أهلي

 

بقلم حلمي الأسمر


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية