كنت في زمن مضى وغيري كثير ننتفض احتجاجا حينما يردد أحدهم تعبير «رجال الدين المسلمين» على اعتبار أن الإسلام ليس فيه رجال دين ورجال دنيا، ولا وجود لطبقة الأكليروس المختصين بالتوسط بين العباد وربهم، والقيام بالطقوس الدينية اللازمة لأهل الدنيا، اقول «كنت» لأكتشف فيما بعد ان مجتمعنا أفرز طبقة اسوأ بكثير من كهنوت العصور الوسيطة في أوروبا، كبقة تأكل بدينها، وتضعه في خدمة دنياها، وتعين رجال الدنيا على البطش والظلم، وتغلف أفعالهم بقالب «شرعي» مسوغ دنيويا واخرويا، هؤلاء ليسوا رجال دين بالمفهوم السائد فحسب، بل هم جلادون وقتلة ومتآمرون على الدين والدنيا، والعمائم التي تلف على رؤوسهم يجب ان تلتف على رقابهم
يخصص الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد بابا عن العلاقة الجدلية بين الدين والاستبداد فيقول: « لقد تضافرت آراء أكثر العلماء النّاظرين في التّاريخ الطّبيعي للأديان، على أنَّ الاستبداد السّياسي مُتَوَلِّد من الاستبداد الدِّيني». ويدرس الكواكبي هذه العلاقة بين الاستبداد الديني والاستبداد السياسي على صورة تكامل إذ يقول: إنَّه ما من مستبدٍّ سياسيّ إلى الآن إلا ويتَّخذ له صفة قدسيّة يشارك بها الله، أو تعطيه مقامَ ذي علاقة مع الله. ولا أقلَّ من أنْ يتَّخذ بطانة من خَدَمَةِ الدِّين يعينونه على ظلم النَّاس باسم الله، وأقلُّ ما يعينون به الاستبداد».
وثمة في المشهد الختامي من حياة الشهيد سيد قطب، ما يبرز الفرق بين رجل الدين، وعالم الدين، فيوم تنفيذ الإعدام، وبعد أن وضع سيد قطب على كرسي المشنقة عرضوا عليه أن يعتذر عن دعوته لتطبيق الشريعة ويتم إصدار عفو عنه، فقال: «لن أعتذر عن العمل مع الله». ثم قال: «إن إصبع السبابة الذي يشهد لله بالوحدانية في الصلاة ليرفض أن يكتب حرفاً واحداً يقر به حكم طاغية». فقالوا له إن لم تعتذر فاطلب الرحمة من الرئيس. فقال: «لماذا أسترحم؟ إن كنت محكوما بحق فأنا أرتضي حكم الحق ، وإن كنت محكوما بباطل ، فأنا أكبر من أن أسترحم الباطل» ، ويروى أيضاً أن «الشيخ» أو بالأحرى «رجل الدين» الذي قام بعملية تلقينه الشهادتين قبل الإعدام قال له: «تشهد»، فقال له سيد: «حتى أنت جئت تكمل المسرحية نحن يا أخي نعدم بسبب لا إله إلا الله ، وأنت تأكل الخبز بلا إله إلا الله» | |
وهنا الفرق تحديدا، بين من يزين للحاكم سوء عمله، ويؤصله له شرعيا، وبين من ينتفض رفضا للظلم والعسف والقهر، ولا يشارك في عملية ذبح شعبه باسم طاعة ولي أمر ليس له من ولاية الأمر إلا أنه كان أسرع من غيره في الجلوس على الكرسي |
بقلم حلمي الأسمر
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة حلمي الأسمر جريدة الدستور العلوم الاجتماعية
login |