ثمة ضرورة كبرى أن يتعاون جميع المسلمين وبخاصة السعوديون والمقيمون والزوار في السعودية ليتم الحج بيسر وسهولة، وربما يكون أول ما هو مطلوب أن يلتزم المسلمون جميعا بتنظيم تدفق الحجاج وضبط عددهم على النحو الذي يتحمله الاستيعاب المكاني واللوجستي والتنظيمي، لأن ثمة سقفا أعلى للاستيعاب والقدرة.
وإذا أصر الناس على التحايل على هذا التنظيم ومحاولة خرقه، وبخاصة من المواطنين والمقيمين في المملكة العربية السعودية، فإن الزحام الهائل ينشئ مشكلات تفوق طاقة الناس الذي ينظمون عمليات الحج مهما بذلوا من جهد.
والواقع أن المملكة العربية السعودية تبذل جهدا كبيرا جدا، ولكن ثمة حدا استيعابيا لا يمكن تجاوزه للمدن والمرافق والأمكنة، وثمة مشكلات أخرى خارجة عن إرادة البشر، مثل التعددية اللغوية والتفاوت الثقافي والسلوكي في أثناء أداء الشعائر، ولا يمكن حل ذلك مهما اتخذت من تدابير تنظيمية وتقنية وتجهيزات ومرافق.
بالطبع، فإنه أمر يدعو إلى السرور والاعتزاز هذا الإقبال الكبير وغير المسبوق على أداء الحج والعمرة، ولكن الدافع الديني العظيم نحو الحج والعمرة هو نفسه ما يجب أن يحرك جميع المسلمين للالتزام التام بالسياسات التنظيمية والإدارية لنجعل الحج بلا حوادث وخسائر وأزمات، وليتمكن الحجاج من تحقيق الأهداف والمعاني والحكم التي أرادها الله عز وجل للحج، "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم".
لا يمكن إلا أن نتعاطف مع القرارات التنظيمية والإدارية التي تتبعها الحكومة السعودية، ولكن محاولة خرقها تزيد الأعباء والمشكلات في جميع الحالات، لأن ذلك يؤدي لمجهود إداري وتنظيمي لمراقبة الطرق والمداخل والعابرين من الدول المجاورة في طريقهم إلى دول أخرى أو محاولات الزوار والمقيمين والمواطنين لأداء الحج أكثر من مرة أو خارج الإطار والقواعد المتبعة لتنظيم عملية الحج، وهي جهود تحتاجها الحكومة للتركز على خدمة الحجيج.
"الحجاج خارج التوقعات" سيربكون الخطط والاستعدادات، وبخاصة إذا كانت هذه الخروقات كثيرة وتؤدي إلى زيادة عدد الحجاج كثيرا. حتى لو كانت الزيادة غير المتوقعة قليلة فإنها تربك الاستعدادات والخدمات وتضعف مستواها، فمثلا إذا كانت السيارات المتدفقة على المواقف تزيد بنسبة 5% عن طاقتها الاستيعابية فإنها تعطل جميع أومعظم السيارات، وكذلك الأمر بالنسبة للطرق والمياه والمباني.
التعاون مع الحكومة السعودية في إدارة وتنظيم الحج يجب ألا يقتصر على الحكومات العربية والإسلامية والوزارات المختصة ولكن يجب أن يشمل الأفراد والمجتمعات، وعدم التعاون الفردي والمجتمعي يضعف مستوى الخدمة والتنظيم، ويزيد الجهد والعبء والهدر، ويؤدي إلى حوادث ومشكلات غير متوقعة.
والعكس صحيح أيضا؛ فإن الالتزام التام بقواعد وتعليمات إدارة الحج وتنظيمه يجعل الخطط والاستعدادات تقترب وربما تطابق الواقع. وفي هذه الحالة فقط فإنه يمكننا أن نتوقع أنه لن يقع حادث ولا أزمة أو مشكلة، بل إن هذا الالتزام الفردي سيقلل الجهود والتكاليف والحاجة إلى مزيد من الكوادر البشرية، وهذا بدوره يقلل الزحام والعبء على الأماكن وحركة النقل والمرافق.
وبتطور تقنيات المعلوماتية والاتصال فإننا بالسلوك الحضاري والاجتماعي المطلوب نُمكِّن إدارات الحج والبعثات المكلفة بتنظيم عمليات الحج لمواطنيها من أن نجعل المرافق والشعائر عملية محسوبة بدقة تامة تساعد على تفادي كل مشكلة والانتباه لكل المسائل والتفصيلات حتى الصغيرة منها.
في هذه الحالة تحديداً يمكننا أن نتوقع أداء لمناسك الحج يرقى بنا إلى الأهداف والحكم السامية للشعائر، ويجعل الحج عاملا إيجابيا في الرقي الحضاري والاجتماعي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد