توقفت كثيرا وأنا أبحث في الإنترنت عن الزراعة في هولندا عند تعريف الحكومة الهولندية للسيد رودي ربينغ في رسالة رسمية بأنه من كبار المفكرين في هولندا في شؤون الزراعة والبيئة والتعاون في مجال التنمية، وأعترف بأنه مفهوم جديد ومدهش أيضا بالنسبة لي، مفكر زراعي، نعم لماذا لا يكون ثمة مفكرون للزراعة كما يوجد مفكرون اقتصاديون وسياسيون وإسلاميون ولدينا منهم الكثير ما شاء الله.
حصل السيد ربينغ على شهاداته العلمية في جامعة ويغننغ الزراعية في أمراض النبات وعلم الحشرات وفلسفة العلوم، وكانت أطروحته للدكتوراه بعنوان "المراقبة البيولوجية لسوس العناكب الحمراء في أشجار الفاكهة"، وبعد سلسلة من العمل في الجامعات والمؤسسات الدولية والتنموية انتخب نائبا في البرلمان.
كيف تجتذب الزراعة أفضل الكفاءات العلمية وأذكاها، وكيف تجتذب المستثمرين والمجتمعات والناس؟ كيف ننشئ اقتصادا قائما على الزراعة مصحوبا بتقدم اجتماعي وثقافي وتقوم حوله جامعات ومصانع ومؤسسات وأندية رياضية متقدمة؟ ربما تكون هولندا نموذج "المعجزة الزراعية"؛ فهذا البلد الذي تبلغ مساحته أربعين ألف كيلو متر مربع أي أقل من نصف مساحة الأردن استطاع أن يكون ثالث مصدر زراعي في العالم بعد الولايات المتحدة وفرنسا، وليست المعجزة هنا فقط، فقد ردم الهولنديون البحر وأنشأوا أرضا يابسة تشكل نصف مساحة البلاد وجففوا المستنقعات لينشئوا أراضي زراعية في بلد هو من الدول الأكثر كثافة سكانية في العالم، وتقع نصف أراضيه تحت مستوى سطح البحر، مما جعل الهولنديين ينشئون سلاسل عملاقة من السدود والحواجز لحماية الأرض من زحف البحر عليها.
المثال الهولندي يصلح دليلا على مشروع للاستثمار في الصحراء في الصناعات الغذائية القائمة على المراعي والثروة الحيوانية والجبال للزراعات البعلية للفواكه والخضراوات، ولدينا بالطبع وادي الأردن، هبة الله للأردن والذي يمكن أن يكون أفضل مكان للعالم للزراعات الشتوية، وبارتفاع أسعار النفط فإن الزراعة بالبيوت المحمية في الغور تكون بديلا عالميا قليل التكلفة للزراعات المعتمدة على التدفئة بالطاقة.
ولكن التقدم الزراعي في الأردن يحتاج إلى ثورة اجتماعية وتقنية، فيجب أن يقوم على مئات الآلاف من المهندسين الزراعيين والشباب الأذكياء والمثقفين المؤهلين في العمل والإرشاد والتدريب والإبداع لإنشاء شبكة من المزارع المتقدمة بأقل استخدام ممكن للماء العزيز النادر وتوظيف للإمكانيات والفرص والتقنيات لإبداع مشروعات غذائية تجعل المنتجات الزراعية تمر بدورة متعاظمة من الإنتاج ولا يجعل الاقتصاد الزراعي مجرد عملية إنتاج محاصيل وتسويقها، ولكنا نحتاج لإدارة زراعية أكثر من عبقرية ومؤمنة بجدوى الزراعة وأهميتها بل وقدسيتها، تقود المجتمعات إلى مجالات جديدة في الزراعة غير متوسع فيها، ولا تحتاج إلى مياه كثيرة ولا إلى تكاليف أيضا، وتصلح للاستثمار، وتنشئ منظومة من المنتجات والسلع في المدخلات الزراعية والمخرجات أيضا، ونتوقع من الجامعات وكليات الزراعة ومؤسسات البحث والتطوير أن تنشئ تقنيات لتطور عمليات الزراعة في الأراضي الجافة، وتعظم من إنتاج المحاصيل وتقلل من الزمن، وتخلق ممكنات للزراعة بمياه البحر، وتوظف المصادر المتاحة للطاقة كالشمس والرياح، وتقتبس وتستوعب التجارب الزراعية القائمة في العالم.
لدينا في الأردن أراض شاسعة وإن كان الماء قليلا، ولدينا أيضا تنوع مناخي فريد ومميز يجعلنا أفضل بلد زراعي في العالم، ولدينا عدد هائل من الشباب المتعلم والمبدع والقادر على الشراكة مع الحكومة والمستثمرين والبنوك لإنشاء مشروعات زراعية متقدمة وعملاقة، وكل ما نحتاجه قدر من الإرادة والخيال والنية الحسنة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد