لماذا أتذكر اليوم البرنامج الإذاعي الجميل والمؤثر "وسلامي لكم" ومقدمته المذيعة الرائعة كوثر النشاشيبي، كنا نحرص كل يوم على الاستماع للبرنامج باهتمام ومتابعة مدهشة، ففي عجلون بلدتنا لم يكن ثمة لاجئون ونازحون، ولا كانت تربطنا قرابة أو معرفة مباشرة بهموم يومية ومعلومات وتوصيات يتبادلها الأهل على ضفتي النهر. وبالطبع لم يعد ثمة مكان للبرنامج بعد تطور الاتصالات ومعاهدة السلام، ولكنه برنامج باق في الذاكرة، كأن الرسائل المتبادلة عن تصريح السفر وعن المواليد والأخبار اليومية، والرسائل الشخصية التي تقرأ كانت نوعا من الأخبار والنضال، هل جذبنا أيضا صوت كوثر النشاشيبي الدافئ كأنه تراتيل، أم كنا نجد في الأخبار والقضايا الشخصية متعة تدعو إلى المتابعة والاهتمام كما نتابع مسلسلا يخوض في الشؤون الشخصية واليومية لعائلة؟
يواصل جيلنا تذكر الأشياء التي مضت، والزمان الجميل الذي انقضى أو نحسبه جميلا، الرسائل والطوابع البريدية، والخيبة التي كانت تصيبنا عندما تصل الرسائل بدون طوابع، فقط مدموغة بالماكينة، حياتنا اليومية التي تمضي على إيقاع الإذاعة، معرفة الوقت بالبرامج الإذاعية، السلام الملكي يختتم البرامج، كان انتظاره طقسا يوميا، نسأل كل يوم هل حضرت السلام الملكي، ونقول في بعض الأحيان بخجل: غلبني النعاس، والافتتاح الساعة الخامسة والنصف بالقرآن الكريم، وموجز السادسة، وبرنامج الحاج مازن القبح للمزارعين، والحديث اليومي للدكتور إبراهيم زيد الكيلاني، ونشرة السابعة، وحديث الصحافة، وحينها نعرف أننا يجب أن نهرول إلى المدرسة!
في الإقامة بعيدا عن الوطن والأهل وفي الوحدة والعزلة نستحضر هذه الذكريات كأنها تعيد تشكيلنا، صحيح أننا نتواصل بالهاتف ورسائل الموبايل والإنترنت والإيميل على نحو يغير كثيرا من معنى السفر والغربة، ولكن ذلك لم يغير من طعم البعد والحنين والحزن على الفراق.
الزميل قاسم قصير سجل من وحي تجربته في العمل بعيدا عن وطنه ملاحظات عفوية سماها "بوح الكلام" فأظهر أنه برغم عمره وتجربته لا يريد مغادرة طفولته وأحلامه، الطفولة تشكلنا للأبد، ولكن جزءا كبيرا ومهما من التشكيل يكون بوعي وإرادة، وعندما نخرج من ذواتنا ذلك الطفل المتبقي في أعماقنا ولا شعورنا نفقد الدليل الصحيح للتقييم والمشاعر النبيلة والسلوك وأيضا التفكير، فنحتاج دائما إلى طفولتنا لنرى الأشياء كما هي ونفهما كما هي، ونحتاجها أيضا لنبقي على الجمال الذي منحنا الله، وبدون هذا الطفل نتحول إلى كيانات بليدة خطيرة على نفسها وعلى الناس.
قاسم قصير في شعوره بالوحدة والحنين والحزن وفي تعلقه بمدينته وأسرته، وفي قدرته المتواصلة على الملاحظة والتسجيل، وفي تفاعله مع الأمكنة وتعلقه بها يختزن قدرا كبيرا من الطفولة التي بدونها لا نعود نحن، وإنما كائنات مثل مكائن متشابهة لا فرق بينها.
ولا يريد قاسم كما يبدو من كتابته مغادرة الزمن الجميل الذي تعلق به، ولكنه زمن مضى بكل ما له وعليه، هل بقي يا قاسم مجال للذكرى والحنين؟ كلنا نقرأ منذ تسعين سنة شعر أحمد شوقي في حنينه إلى الوطن، "اختلاف الليل والنهار ينسي، اذكرا لي الصبا وأيام أنسي، وسلا مصر هل سلا القلب عنها"، ولكننا اليوم نهاجر بالملايين ونمضي في العالم بلا حنين ولا ذكريات، كأننا نتخلص من عبء ثقيل، كأن اللاشعور يمنحنا الراحة والتكيف والقدرة على النسيان.
قاسم قصير مثل رحالة كان يرافق قافلة، ولكنه امتد به الزمن حتى يومنا هذا دون أن يشعر، كأن الزمن أمكنة ومواقع في الكون، وبإصراره على الحنين والذكريات يعيدني إلى أيام كنا ننتظر الرسائل من الأهل والأصدقاء، ثم نعكف الليالي في الكتابة إليهم فنبكي ونبكيهم، وظلت هذه الرسائل ترافقني من بلد إلى بلد، لم تعد تزيد شيئا منذ، ... منذ متى؟ كأن الاتصالات والإنترنت تفصل بين زمنين وعالمين، بل بين كوكبين وحضارتين مختلفتين، وعندما استقر بي المقام بعد رحلة طويلة في البلاد والأمكنة كانت معي كرتونة تشير إشارات الخطوط الجوية المختلفة إلى البلاد والرحلات الكثيرة والمتعددة التي مرت بها، مليئة برسائل وكتابات وخواطر وملاحظات، لم يكن يعلم بها أحد سواي، وتبدو لغيري كومة من الأشياء، لماذا الإصرار على الاحتفاظ بها ونقلها من بلد إلى آخر؟ هل كنت إنسانا مختلفا عما أنا اليوم؟ هل نحن اثنان مختلفان، وحملت آلاف الرسائل والأوراق كتبتها أو كتبها أصدقاء وأحبة إلى العراء وجلست أقرأ ثم ألقي ما أقرأه في النار، ولكن بعد عدة ساعات كانت رسائل وأوراق أخرى كثيرة جدا لم تقرأ، فألقيتها في النار مرة واحدة، هل كنت مخطئا في الاحتفاظ المرهق بها؟ هل كنت مخطئا بإحراقها؟ لم يعد صندوق البريد يحمل سوى الفواتير ورسائل من البنك تقول إن رصيدك صفر، وأوراقا أخرى لا نقرأها.
ولكن كان يفاجئني في مرات كثيرة وفي حالات وبلاد متباعدة أصدقاء وأحبة يعيدون بعد أكثر من خمسة وعشرين عاما النصوص التي كتبتها في الرسائل، بل ويحدثني أصدقاء لم أكتب إليهم أو أشخاص لم أكن أعرفهم عن رسالة كتبتها لصديق، نسيت ويتذكرون! وماذا نحن سوى ذكريات ومشاعر، وما الأوطان سوى روايات وحكايات وقصص وأساطير! فماذا نحن اليوم أو من نحن؟ ونحن بلا ذكريات ولا حنين ولا أوطان ولا أساطير؟ يقول الهندي الأحمر للمسؤول الذي ينتزع أرضه "إن كانت هذه أرضك فأين قصصك؟" لماذا هو هندي أحمر وليس أباتشي أو سياتل، لأن رواية قالت إنه هندي أحمر، رواية ما تقول لك من أنت، وما وطنك؟
عندما انتقلت من بيت كنت استأجرته إلى بيت آخر ظلت ابنتي التي ولدت في البيت وكان عمرها حين رحلت ثلاث سنوات تصر على العودة إلى بيتنا، تستيقظ في الليل، وتطلب أن نعود إلى بيتنا، وخضعنا لمشيئتها بعدما ظلت لشهرين تستيقظ كل يوم وتطلب أن نعود إلى بيتنا، وعدنا إلى العمارة وليس إلى الشقة نفسها، فقد شغلها إخواني، ظلت تشير إليهم بالقول "الناس اللي أخذوا بيتنا"، ثم في السعي وراء الكلأ والماء وفي الصراع على الماء والوظائف والموارد اضطررت للرحيل مرة أخرى للعمل في بلد آخر، وظل الأطفال يتذكرون المدرسة والمدينة والبيت والأهل والأصدقاء حتى اضطررت للاستقالة والعودة.
قاسم قصير يذكرني بالقصة مرة أخرى وهو يشدني إلى ما أريد نسيانه، وهو يؤكد لي أن ما دفنته لم يمت، وما أحرقته لم يحترق، وأننا نخسر أنفسنا عندما نخسر أحزاننا، ونخسر بلادنا عندما نخسر الأساطير والحكايات، نحن ذلك الحنين إلى طفولتنا، وبغير هذا الحزن النبيل لا نكون نحن.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد