ليس واضحا لدي اليوم ما هي المساعدة التي قدمناها، ونحن نتجمهر بعد منتصف الليل على سلم المطبعة نراقب بدهشة وتوتر مثل أطفال صغار المطبعة وهي تدور ننتظر العدد الأول من "الغد"، كنا على الأغلب ننشئ جوا من التوتر للفنيين والإداريين، وربما نعوق عملهم، ولكنهم لم يكونوا قادرين على الاعتراض، ولسبب ما قطعت الكهرباء، ولكن اتصالات سريعة جرت في الليل، وأعاد الفنيون في شركة الكهرباء الكيبل المقطوع في الشارع العام، وعادت المطبعة لتهدر وسط الضجيج والفرحة، كأننا كنا نعتقد أن هتافنا وتصفيقنا هو الذي أدار المطبعة، وصدر العدد الأول من الصحيفة، وأصرّ مسؤول التوزيع على أن يعطي أولا الموزعين المصطفين في طابور طويل، ولكنا حصلنا على نسخة وتجمعنا في الساحة الأمامية لنقرأه، وضعه باسل الرفايعة على الأرض وبدأ يقرأ بصوت عال ليسمع الشباب والصبابا الواقفين حوله، مثل رواد مقهى في القرن التاسع عشر لا يعرفون القراءة، ويستعينون بخبير القراءة ليفك لهم أسرار الحروف، ثم انتظرنا ساعة أخرى حتى وصلت مجموعة من نسخ الصحيفة إلى غرفة التحرير، وحمل كل واحد من الشباب والصبايا نسخته وعدنا إلى البيت حوالي الرابعة صباحا.
المشهد يبدو اليوم يدفعنا للسخرية من أنفسنا، فربما لو انصرفنا إلى بيوتنا، وتركنا ذوي الشأن لساعدنا الإدارة أكثر، ولكنا كنا في حالة يصعب إقناعنا بذلك، كنا (الصحفيين) قد أنهينا عملنا وبدأنا الانتظار مثل طابور من المشاغبين، وللأمانة فقد كان فريق الطابق الأرضي أكثر احتمالا وأفضل سلوكا منا، وأتذكر بخجل كبير أنني اتصلت بالموبايل مع الناشر السيد محمد عليان أصرخ محتجا وأريد ألا تنشر مقالتي التي نشرت في العدد الأول "الأردن المتحول اجتماعيا واقتصاديا" وكأنني كنت أكتب الدستور الأردني أو أحقق صحيح البخاري فأبحث عن الناشر وعندما لا أجده في الصحيفة أتحدث معه بالموبايل، ضحك محمد عليان كثيرا، وقال: أنت مستفز ليس بسبب المقال ولكن بسبب ضغط العمل والتوتر الذي نمر به جميعا، وخجلت من نفسي، واكتشفت أني بالفعل أشغل نفسي وغيري المشغولين ابتداء بهموم إضافية وغير واقعية.
واليوم وأنا أنظر باعتزاز كبير إلى قائمة مقالاتي على موقع الصحيفة أشعر بزهو كبير، بالطبع لا يشعر به أحد سواي، وفي كثير من الأحيان ينتابني أنه لا يقرأ لي سوى المدقق اللغوي، ولكني في أحيان كثيرة أتلقى ردود أفعال وملاحظات تجعلني أشعر بأمانة الكلمة وثقلها كلما شعرت بالإعياء والملل مخافة أن أخذل كثيرين من الناس أعرف بعضهم ولا أعرف أغلبهم، لقد اكتشفت أن أهم القراء ومن يتفاعلون مع المقالة لا نعلم عنهم، وما نسمعه من ملاحظات وتعليقات سواء كانت مديحا أو معارضة إنما تمثل قشرة رقيقة تخفي فئة من القراء الصامتين والمؤثرين الذين يجب أن نخاطبهم، ممن لا يكتبون ولا يعلقون ولا نعرفهم ولا يعرفوننا بشكل شخصي، والرأي العام يتشكل على نحو معقد لا تكشفه ردود الفعل المباشرة والاستطلاعات السيارة، ولا ملاحظات وآراء الأصدقاء والزملاء والمعارف.
 لقد كانت "الغد" بدايتي الحقيقية المؤسسية بعد عشرين عاما من العمل الصحافي مستقلا بنفسي أكتب في الصحف الأردنية والعربية بدون علاقة مؤسسية، كنت أكتب بطريقة من لا يحسب حسابا، كمن يحمل سيفا بيده يضرب به يمينا وشمالا وعلى كتفه سلم بالعرض وربما يدور أيضا، وخسرت لأجل ذلك الأصدقاء قبل الأعداء، ولكن العمل في "الغد" أدخلني في حالة استقرار وتأهيل معقدة وصعبة فقد جاوزت الأربعين وتعودت على أسلوب في الحياة أقرب إلى الفردية، وصار يجب أن أتحول إلى "مؤسسي" وابتسم للناس، وألاحظ التقاليد والسياسات الواضحة والمخفية للمجتمع والأفراد والدولة، وللأمانة فإن الحكومة أسهل على الكاتب من المجتمعات والجماعات والمؤسسات والأفراد، وربما يكون أسهل شيء على الكاتب في الأردن أن ينتقد الحكومة ولكن "أخو أخته" فقط هو الذي يجرؤ على نقد الجماعات والمجتمعات والأشخاص، حتى إن أغضبت الحكومة فهي تتغير ويُنسى الأمر، ولكن الآخرين لا ينسون أبدا، فنحن مجتمع الكلمة وحضارة الكلمة أيضا، نحفظ جميعا ونتناقل أشعار الهجاء والمديح والوصف منذ ألف وخمسمائة عام.
لقد دخلت بسرعة في عملية تطور ونشوء وارتقاء، واكتشفت عمق الصمت والتأمل وأثره في غالب الأحيان الذي يفوق الكلام، ودور التجاهل في الكتابة المشابه للإغداق والإغراق، وقيمة العزلة والظل المناظرة للأضواء والأهمية، كانت الآية الكريمة "ثم تولى إلى الظل" مصدرا للتعليم والرؤية الشاملة والاكتشاف الذي لا يمكن تحقيقه من غير الظل.
الصحافة الأردنية مازالت الأكثر أثرا وأهمية في وسائل الإعلام بدليل الحصة الكبيرة التي تحتلها من سوق الإعلانات، والمعلنون يعرفون اتجاهات المجتمع أكثر من غيرهم، بل وأكثر من وزارة التخطيط ووزارة التنمية الاجتماعية أيضا.
وكانت "الغد" حدثا إعلاميا مهما، ومحطة مهمة في مسار الصحافة الأردنية، وقد احتلت من اليوم الأول مكانا مهما في الصحافة الأردنية والعربية أيضا، ونستطيع بسهولة ملاحظة أثرها المتفق عليه إذا تركنا ما يمكن أن يكون موضع الجدال، فقد أدخلت "الغد" إلى سوق العمل الصحافي قواعد من التنافس وكسرت قواعد الاحتكار المتبعة، ومازلنا في بداية طريق التنافس المؤسسي لاستقطاب أفضل الكفاءات وأذكى الشباب والصبايا وأفضلهم للعمل، ولكن "الغد" حركت السوق في هذا الاتجاه.
وكانت سياسة الاشتراكات التي اتبعتها "الغد" نقلة إبداعية في تسويق الصحافة، وفي دفع المستهلك إلى عادات جديدة، فالاشتراك هو القناة الحاسمة والأكثر أهمية في تسويق الصحيفة، لأنه يضمن سوقا ثابتة ومستقرة للصحافة، ويتناسب مع عادات القراءة الصباحية للصحف، ويجعلها عائلية، والتحول إلى الاشتراك في الصحف بدلا من شرائها من المحلات التجارية والإشارات الضوئية سيحقق إن نجح، وأعتقد أنه المسار المنطقي المتوقع للصحف والمستهلك، سيحقق نتائج كبيرة في العادات القرائية واستهلاك الخدمات الإعلامية، وفي الإعلان، وفي إيرادات الصحف وتسويقها أيضا، فالاشتراك يضمن وصول الصحيفة مبكرا وفي وقت مناسب للمستهلك، ويجعل الصحيفة مقروءة من جميع أفراد العائلة، وينهي أزمة التوزيع الضئيل في أيام العطل، ويحقق رقابة أكثر فاعلية من قبل القارئ على صحيفته، لأنه سيتعود عليها وتنشأ بينه وبينها علاقة وسيلاحظ فورا ويوميا القوة والضعف والإنجاز والفشل في الصحيفة، وربما تنهي سياسة الاشتراك (أخشى أنها آمال شخصية وليست توقعات) ظاهرة الكتاب والصحافيين الذين يفرضون على القارئ، والذين لا يقدمون شيئا مفيدا، وتنهي أيضا فكرة خاطئة استقرت في مرحلة سابقة لدى القائمين على الصحف مفادها أن الصحيفة تصدر بأي مضمون يطبع على ورق، حتى لو كان شيئا لا يمكن قراءته أو فهمه، وأن الحكم والمرجعية على الصحافية هي اعتبارات تسويقية وسياسية ليس للقارئ فيها دور، برغم أنه هو الذي يدفع ثمن الصحيفة، وبرغم أنها موجهة إليه أساسا.
إن التحول بالصحافة والإعلان إلى خدمة يراقبها المستهلك يشكل ضمانة للتطوير ويضيف نوافذ جديدة من التفاعل مع المواطنين، ويجعل المستهلك مرجعية تراقب الصحافة، هي مرجعية عادلة وديمقراطية ستجعل الصحافة أكثر قربا من المواطن وهمومه واحتياجاته، وهذا ما نتوقعه من "الغد" بالسياسة والتقاليد التي اتبعتها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد