ثمة حاجة كبيرة لصياغة هوية عمان والمحافظة على المنجزات المتحققة في هذا المجال، ومراجعة كل ما يؤثر على هويتها ويضر به، وقد يكون ذلك مكلفا ومؤلما في المراحل الأولى، ولكنه مشروع بالغ الأهمية للمحافظة على عمان باعتبارها مركز الأردن وباعتبارها أيضا مدينة تاريخية عريقة، ولأجل تمكين سكانها وزوارها من الحصول على أفضل الخدمات ولخلق موارد إضافية جديدة تزيد الأعمال والمصالح فيها نجاحا وفاعلية، ولتطور الأعمال والمهن والمصالح والخدمات والمرافق في الأردن بعامة، فالهوية ليست مشروعا ترفيا، ولا مجرد زينة غير ضارة، وإذا لم تربط مشروعات هوية المدينة بتنظيم الموارد وزيادتها فإنها تتحول إلى عبء كبير وتكون أيضا غير ذات جدوى، لأن الثقافة والهوية تتشكل أساسا حول الموارد والأعمال والمصالح، وإذا لم تكن مستمدة منها فإنها تكون هوية معتسفة وغير حقيقية، وإذا لم تكن الثقافة المتشكلة أيضا مستمدة من الموارد والمصالح والعملية السياسية والإدارية التي تقود المدن والمصالح فإنها ثقافة غريبة أو مفتعلة، وهكذا فإن هذا التفاعل المفترض بين الأعمال والموارد ومصالح الناس وبين المكان والهوية والثقافة المتشكلة هو الذي يمنح خصوصية للمنتجات الثقافية وأساليب الحياة، وما يميز على سبيل المثال العمارة واللباس والموسيقى والفنون والحرف والمهن عن بعضها في المدن والأقطار.
لقد أقيمت مدينة عمان أساسا وفق اعتبارات الماء (النهر) والطرق والقوافل والزراعة المحيطة بها والقريبة منها لتوفير الغذاء للسكان والقوافل والمراكز الإدارية والدفاعية القائمة فيها، وعندما أصبحت عاصمة الأردن عام 1921 تطورت واتسعت بسرعة كبيرة لتتفق مع كونها مركزا إداريا وتجاريا للأردن، ثم وبتطور الأعمال والسياحة والاتصالات أصبحت تبحث عن مكان لها في حركة الاقتصاد العالمي، ولكنها في نموها وبإغراء التكنولوجيا التي دخلت في العمران وأساليب الحياة فقدت كثيرا من مكتسباتها وهويتها، ولكننا لا نحتاج فقط إلى استعادة هذه الهوية المفقودة، بل وإلى إستراتيجية كبرى للتخطيط الاجتماعي والاقتصادي والعمراني للمدينة قائمة على رؤية واضحة لما نريد أن تكون عمان، العمران والأحياء والمرافق والأندية والبيوت والطعام والمكتبات والثقافة والفنون، والموارد والأعمال والاحتياجات الأساسية وقبل ذلك كله المجتمع أو المجتمعات القائمة والمتشكلة فيها.
نحتاج أولا إلى استعادة النهر الذي قامت عمان بجانبه والذي يفسر وجودها وأن نوقف جريمة سقف السيل، ونعيد تخطيط القنوات والأودية ومسارها ونستوعب كل نقطة ماء تسقط في محيط عمان ليبقى النهر وروافده المصدر الأساسي لمياه الشرب والمعلم الرئيسي للمدينة وقلبها النابض الذي يستوعب حياة الناس وأمسياتهم وأنشطتهم الثقافية والسياحية والترويحية وليكون مصدرا للراحة والجمال للسكان والزائرين.
ونحتاج إلى إعادة تنشئة وصياغة كبرى تجعل من أهل عمان عمانيين بمجموعة كبيرة من التشريعات والبرامج وببناء أنساق اجتماعية ومؤسسية ممتدة تربط الناس ومصالحهم وانتماءهم ومشاعرهم بمدينتهم، ومن ذلك على سبيل المثال: إلزام (أو على الأقل تشجيع) جميع المقيمين في عمان بأن يشاركوا في الانتخابات النيابية والبلدية في عمان وليس في أماكن أخرى، وأن يكون لكل تجمع سكاني أو حي مدرسة أساسية يدرس فيها جميع أبناء الحي (ويفضل أن يكون ذلك إلزاميا)، وأن يكون لكل منطقة من مناطق العاصمة الاثنتين والعشرين ناد رياضي ثقافي اجتماعي ومكتبة عامة وحديقة ومركز تجاري، وأن يشكل لكل حي أو منطقة مجلس بلدي منتخب، وأن يوكل للأمانة إدارة وامتلاك وتنظيم المدارس الأساسية والمياه والكهرباء والرعاية الصحية والاجتماعية والمواصلات، وأن تمتلك المجالس عددا كافيا من المساكن تدير بها عمليات إسكان للعاملين في المدارس والمرافق العامة في المنطقة بحيث ترتبط حياة الناس والعاملين في الخدمات البلدية بأماكن عملهم وإقامتهم، وتنظيم بناء مساكن قريبة من المشروعات والمؤسسات العامة والخاصة تسهل إقامة الناس قريبا من أعمالهم ومصالحهم، وهكذا يتوقع بارتباط الناس في حياتهم وإقامتهم بعملهم وبارتباط المدينة بمواردها الخاصة الأساسية أن تتشكل مدن ومجتمعات حقيقية تبحث عن هويتها وتطور حياتها وتحسنها وفق وجودها المصيري وليس وفق إقامة محاطة بشعور عدم التواصل وبالغربة وعدم الانتماء.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد