أين يقع اليوم الجدل في الأردن، وحول ماذا نتجادل؟ وأين يقع الضعف في مستوى الجدل الذي أشار إليه جلالة الملك؟ كثير من إن لم يكن معظم الجدل الإعلامي الدائر والاختلافات التي تجري تبدو بعيدة عن مواضع الجدل التي يتطلع إليها المواطنون، أو أنه يجري افتعال معارك واختلافات وشجارات تصرف عن السؤال الحقيقي للمواطن.
فما ننتظره من الحكومة والقادة والنخب والمنظرين والكتاب والأحزاب والنقابات والبلديات والشركات هو أن نحصل على إجابة أو جدل عن جدوى المشروعات والخطوات والأفكار التي تقدم عليها الحكومة والنقابات والشركات والبلديات والمجتمعات وانعكاسها على مستوى حياتنا وإنجازاتنا، كيف انعكس بيع المؤسسات وخصخصتها على مستوى معيشة المواطن وفرصه في التقدم وبماذا ساهمت في تخفيف الديون ودعم الإنفاق العام؟
لماذا تنحدر المستشفيات العامة والمدارس الحكومية برغم الإنفاق الكبير عليها والذي لا يقل وربما يزيد على ما تنفقه الشركات المناظرة في مستوى خدماتها وأدائها؟ لماذا كانت في مستوى متقدم قبل سنوات قليلة وكيف تراجعت بهذه السرعة؟ هل يجري إضعاف أو إفشال متعمد للمؤسسات العامة لأجل دعم القطاع الخاص؟
هل المؤسسات العامة معرضة للفشل بالضرورة؟ ولكن الخدمات الراقية والمتقدمة في المطارات وفي الجوازات والأحوال المدنية لا تقدمها شركات خاصة، بل إن ما يحدث في المطار هو العكس، فأنت تنهي خطوات الجوازات والجمارك في دقائق قليلة، وتظل تنتظر طويلا أن يوصل لك القطاع الخاص حقيبتك من الطائرة!
هل حصل تغير على أداء ومستوى شركة الاتصالات والكهرباء بعد الخصخصة؟ وفي جميع الأحوال فإن المواطن ليس معنيا بهوية مديري المؤسسات ولا بالمبادئ والفلسفات التي تنظم إدارة المؤسسات ولكنه معني بالحصول على الخدمات الأساسية بمستوى من الجودة يتطور باستمرار ويتفق مع ما يدفعه لأجل الحصول على هذه الخدمات، وأن تظل دائما وبخاصة الأساسية منها ضمن قدرة جميع المواطنين بلا استثناء.
نحتاج من المتجادلين أن يقولوا لنا كيف يحصل كل مواطن على الغذاء والعلاج واللباس والسكن والتعليم؟ كيف يكون بمقدور المواطنين جميع المواطنين التمتع بتلقائية بمستوى معقول وكريم من هذه الخدمات الأساسية، وما علاقة ذلك بالخصخصة أو الإدارة العامة..
نحتاج من المتجادلين وأصحاب وجهات النظر أن يقولوا لنا كيف يحصل كل تجمع سكاني على مدارس ومراكز صحية وأندية اجتماعية ومكتبات عامة، وقبل ذلك وأساسه كيف نكون أحرارا؟ كيف نحصل على حرياتنا كاملة غير منقوصة، ولا نحتاج إلى كل المقولات الجميلة في حب الأوطان والديمقراطية والليبرالية والإسلامية والانتماء والتشكيك، ولكنا نحتاج إلى قراءات طويلة ومتواصلة وعلنية وشاملة في تقارير دائرة الإحصاءات العامة والبنك المركزي وديوان المحاسبة وقانون الموازنة وملحقاته وتقرير التنمية البشرية والتقارير السنوية للوزارات والمؤسسات الكبرى والشركات والبنوك والأسواق والسلع، وإلى جدل مبصر واعٍ بالأرقام والمقارنات في التعليم والصحة وتكاليف المعيشة والدخول والأجور والضرائب والضمان الاجتماعي.
تحدث جلالة الملك عن أولوية الأسعار ثم الأسعار ثم الأسعار، فلتتقدم الأقلام والأحزاب والنقابات والبلديات والشركات والوزارات لتساعدنا ولتتجادل في استيعاب الحالة وفي تعديل الأجور والدخول وفي فرص زيادة الدخل والأعمال، وفي إعادة تنظيم أنفسنا مجتمعات وتجمعات ومؤسسات على النحو الذي يساعدنا في تحسين معيشتنا، وأما الفزعات البلاغية في الأفضلية والولاء والتقرب والغزل بالوطن والمواطن فليس لها أية قيمة معنوية، وهي باطلة دستوريا، لأن كل مواطن جدير بالثقة وأهل لها، ولا يحتاج إلى وصاية من مواطن آخر عندما يكون الدستور يمنحه الحق أن يكون رئيسا للوزراء أو وزيرا أو نائبا وطالما أنه يدفع الضرائب ويتمتع بالمواطنة.
فلنغادر البكاء على الأطلال وندخل في لب الموضوع، أو كما قال صلى الله عليه وسلم "فلنقل خيرا أو لتصمت"
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد