جاء ملك إلى حكيم يعيش في الجبل وعرض عيه أن يعمل مستشارا له في الحكم، فقال له الحكيم: لقد قلت كلاما مؤذيا لوث أذنيّ وأحتاج أن أغسل أذني في النهر، فذهب إلى النهر وجعل يغسل أذنيه، وكان بجواره فلاح يسقي بقرته، فسأل الحكيم عما يفعله، فأخبره بالقصة، فقاد الفلاح بقرته لتشرب من الماء الذي يسبق الحكيم، فسأله الحكيم: لماذا فعلت ذلك؟ قال: لا أسقي بقرتي ماء ملوثا.
ماذا تفعل بنا الأصوات المحيطة؟ كم يدخل في جوفنا من أصوات السيارات والموبايلات وحفلات الأعراس ومواكبها والشجار والمسلسلات التلفزيونية وأحاديث الثرثرة والنميمة والقصص المكررة مئات وآلاف المرات، وما نسبة ذلك كله إلى معلومة جديدة أو موسيقى جميلة أو حكمة أو حوار يزيد المعرفة ويوسع الآفاق أو حكايات وقصص ومعارف إضافية؟ وماذا يعني ذلك في تشكيل حياتنا وأفكارنا ومواقفنا ورؤيتنا وما نكتسبه ونخسره؟ ألا يعني ببساطة واختصار التقدم والتخلف؟ فالتقدم الإنساني يقاس بما يملكه فرد أو مجتمع أو حضارة من خبرات ومعارف وأفكار وثقافة وجمال وقدرة على العمل والإضافة والعطاء وتحسين الحياة، والإنسان في تشكله ونموه مثل وعاء تحل فيه الأصوات والصور ويعكسها ويقدمها كما اكتسبها، ففاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه، ماذا يتدفق إلينا وبماذا نفيض على العالم حولنا؟
والأصوات هي أولا موجات تحمل طاقة مادية تحل في الإنسان وتؤثر في تشكيله، وقد يؤدي الصوت إلى تحطيم الزجاج وقد يقتل الإنسان، فالأصوات أولا ذات تأثير مادي مباشر يؤثر في نسيج الإنسان وتكوينه بالإضافة بالطبع إلى ما تحمله من مضمون ومعنى.
والواقع أن الصوت فيه من القوة والطاقة أكبر بكثير مما نظن للوهلة الأولى، فالهواء المكون للصوت هو أساس استمرار الحياة بالتنفس، ومستودع كل الحكم والتجارب والروايات المنشئة للعالم والكون والحياة، والهواء الذي يشكل الأصوات واللغة يشكل الماء أيضا مصدر الحياة وأساسها.
شاهدت فيلمًا، عن طفل هندي أحمر يعيش مع جديه في غابة نائية، وتأخذه الحكومة بالقوة من جديه وتضعه في مدرسة داخلية، وتجتاح الطفل وحشة عميقة قاسية، وفي ليلة تضربه المعلمة ويحبس في غرفة بسبب صراحته وصدقه، وهو لا يفهم لماذا ضرب وحبس.
وفي الليل يطل من نافذة الغرفة، ويتحدث في الفضاء، ويحاول أن يستمع إلى الكون..
وبعد لحظات يأتي جده إلى المدرسة.
جاء من كوخه البعيد جدًّا.
وقال لحفيده لقد سمعتك، ألم أخبرك كلما احتجت لي تحدث وأنا أسمعك.
وخرجا معًا من المدرسة وعادا إلى الغابة.
هل هو أمر غريب أم معقول؟
الحكمة عبر عنها بالصوت، الوحي من الله مباشرة أو بالرسل، النداء الأول للرسالة كان "اقرأ"، التعلم بالصوت أيضا، فالأعمى يمكن أن يكون عالما وعبقريا ولكن الأصم لا يتعلم إلا القليل، والصوت طاقة مادية لا تفنى، فهذه الموجات التي تسبح في الفضاء  إلى الأبد ويتلقاها الناس، وهناك جمال صوتي، وتلوث صوتي، والسكون صوت نحتاجه ونفتقده أيضا.
والصوت يمكن التقاطه وطالما أنه موجود فيمكن الوصول إليه، وما تفعله الأطباق والأجهزة التي يستخدمها الإنسان هو التقاط موجات الصوت الموجودة في الفضاء.
كيف نجعل من الاستماع مصدرا للحكمة والراحة والسكون؟ كيف لا نحول الصوت إلى قوة مدمرة ومؤذية لحياة الإنسان، هل يمكن بقدر من الاستماع والسكون أن نلتقط الحكمة الأزلية التي بثت في الفضاء من الوحي وأقوال الأنبياء والحكماء والصالحين؟ لا أتحدث بالطبع عن أجهزة متقدمة وتطوير تقني، ولكن عن القدرة على الاستماع والقول "الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه". كيف يمنحنا أسلوب حياتنا المتبع هذه الفرصة؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد