كيف نجعل مدننا أكثر دفئا وأمانا؟ وكيف تكون أمكنة ننتمي إليها وننسب أنفسنا إليها؟ وكيف تكون الحياة فيها أكثر راحة واستقرارا؟ ثمة وجهة نظر تحظى بإجماع تقريبي أن الأزمات والجرائم العائلية وأنماط السلوك الخاطئة مردها إلى ضغوط الحياة المرتبطة بالمدينة، وهي مقولة مضللة برغم صحتها! وهذه إشكالية في الفهم والتحليل لأن الفكرة الأكثر صوابا (هل يوجد صواب؟) هي محصلة معادلة من الأفكار المتناقضة أحيانا ولكنها في تفاعلها ووضعها في منظومة منهجية للتفكير تقترب من الصواب، وبغير ذلك فإن التفكير القائم على مقدمة واحدة صحيحة يؤدي إلى نتيجة واحدة صحيحة يضلل الفهم، بل ويؤدي إلى توقف التفكير الصحيح والمناقض لمبادئ العمل والحياة المتبعة، ولكنها مبادئ بسبب تلقائيتها (ربما) لم نعد نلتفت إلى طريقة عملها ومستوى تعقيدها، فليس ثمة من يدعو إلى التخلي عن السيارات واستخدام الجمال والخيل لأنها (السيارات) سبب حوادث المرور التي تقتل كل عام حوالي ألف مواطن برغم صحة المعلومة، وهكذا فإن ارتباط الجرائم والضغوط والأزمات والتلوث والضجة بالمدينة لا يعني التخلي عن المدينة ولا يعني أنها سبب حتمي لهذه المشكلات ولا القبول بهذه الأزمات كأمر واقع، أو أنه ليس ثمة حلول وأفكار تقلل من هذه الأزمات وربما توقفها، فمنظومات العمل والحياة تتضمن في وقت واحد مشكلاتها وحلولها، كما أن الترياق في السم.
للأسف الشديد فإن إصلاح المدن على النحو الذي يحمي من الجريمة والضغوط والأزمات والمشكلات ليس قرارا واحدا كبيرا، ولا خطة تدخل سريع ولا حتى سلسلة من الإجراءات والتشريعات برغم أهميتها وضرورتها ولكنها محصلة أنساق متراكمة من الإنجازات والحلول الصغيرة المرتبطة ببعضها ارتباطا وثيقا ومتداخلا يجعل غياب أي جزء صغير يؤدي إلى أزمة مناظرة أو يعطل جزءا كبيرا جدا من المنظومة الكلية، تماما كما يؤدي سقوط حلقة صغيرة أو مسنن ضئيل في سيارة أو ماكينة إلى توقفها، ويقال في المثل الشعبي "الجمل يعرج من أذنه" وهي مقولة صحيحة تعبر عن تجربة مهمة في الحياة والتفكير.
وربما يكون أهم نسق في إصلاح المدن والحياة فيها مستمد من تصحيح أسلوب حياتنا وعلاقاتنا ضمن مجموعات بعضها صغير وبعضها كبير لكنها في تراكمها تنشئ منظومة جديدة ومختلفة من الحياة والعلاقات والمؤسسات وطرق العمل وقواعدها تجعل الحياة أكثر سلاما وانسجاما وتحمي الأفراد والمجتمعات من الأزمات والانحراف والجريمة.
الواقع أن أسلوب الحياة أكبر من ذلك وأهم بكثير لأنه يمثل المرجعية الحاكمة للتشريعات والقرارات والسياسات والاستراتيجيات الكبرى المفترض أن تنظم الحياة والمصالح وفق فلسفة أسلوب الحياة الذي نتبعه، فواقع الأمر أن جميع المنظومات الكبرى للإدارة والحياة، مثل الديمقراطية والانتخابات والمجالس البلدية والنقابية والسلطات والقوانين والأنظمة والحكم والإدارة إنما تعكس أسلوب الحياة، وهنا تكون الأسئلة المحيرة والملحة عن العلاقة في بلادنا ومدننا بين  أسلوب الحياة الذي نؤمن به ونتبعه جميعنا أو أغلبنا وبين الأنظمة والإجراءات والتشريعات المتبعة في الإدارة وتخطيط المدن والمدارس ومناهج التعليم وعمل ودور الحكومات والبرلمانات والبلديات والأسواق، هل يجب أن نغير أسلوب حياتنا أم نغير المنظومة المؤسسية التي تدير حياتنا ليكونا منسجمين؟ وكأمثلة على أهمية هذا الانسجام وخطورة التناقض على حياتنا، هل يعكس تصميم الشوارع والأحياء في المدن فلسفة لدينا في الحياة قائمة على منع وخطورة خروج الأطفال من البيوت إلا ضمن رفقة؟ وهل يأتي توزيع المدارس الأساسية والثانوية في المدن ضمن وجهة نظر في تخطيط الأحياء وتقسيمها؟ وهل تعبر الحدائق العامة في توزيعها وعددها عن وجهتنا وأسلوبنا وإقبالنا على ارتياد الحدائق واستخدامها ورغبتنا في وجودها أو عدم وجودها؟

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد