ليست المشكلات والعيوب المتعلقة ببعض أنماط التدين كما ينصرف الذهن بسبب الإغراق الإعلامي تقع فقط في التطرف والإرهاب، وعندما كتبت المقالتين السابقتين عن الدين والتدين والوظيفة الاجتماعية للدين لم أكن أعني المتطرفين والمتشددين بالتحديد أو بشكل خاص، ولكني كنت أقصد أنماطا شائعة من التدين أو السلوك الاجتماعي المدعوم بالتدين لا تندرج في التشدد والتطرف، ولكنها غالبا ما تكون في الميل إلى الحد الأدنى من الطاقة والتبرير الذاتي لعيوب ومشكلات اجتماعية من قبيل الكسل وضعف التعلم والحوار والاستماع والنزعة إلى البدائية في الفهم والتفكير وفي السلوك أيضا عدم الرغبة في إصلاح الذات وتغييرها وتمدينها وترقيتها، ثم منح هذه الأساليب البدائية والفظة في الحياة والتفكير والعلاقات مسحة من الدين تجعلها مقبولة أو مبررة وفي بعض الأحيان تصبح أصلا يدعو أصحابه إليه، برغم أنها في الحقيقة من مخلفات ورواسب حياة الصيد والرعي وجمع الثمار والبقاء.
فأين تقع المشكلة؟ وكيف نحددها أو نصوغها؟
المدينة تقتضي أساليب من الحياة والعلاقات والأعمال يجب أن يكتسبها الأفراد والمجتمعات في المدينة، وتقتضي بالضرورة أيضا التخلص من أنماط من السلوك والتفكير لم تعد تصلح للحياة في المدينة إن كانت مقبولة في مرحلة من حياة الأفراد والمجتمعات، والمسألة ليست ترقية أو تحولا اختياريا، والأكثر غرابة أنه هذه الاتجاهات البدائية في السلوك والتفكير تجد من يدعو إلى التمسك بها على أنها من التراث وربما الدين، وبالتالي فإن السلوك المديني هو خروج على التراث والدين، وهذا يزيد الأزمة ويغيب أدوات التفكير الصحيح والحلول المناسبة، وهنا يمكن تفسير الجرائم والمشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
فالمدن يفترض أن يتجمع الناس فيها وتخطط أحياؤها ومرافقها وطرقها على أساس من أعمال الناس ومصالحهم وعلاقاتهم القائمة على الصداقة والجوار والخدمات الأساسية والعلاقات المهنية والاتجاهات الفكرية والسياسية، وهنا يجب إنتاج اتجاه في التدين يخدم طبيعة المدينة ويواجه مشكلاتها المتوقعة ويقدم بديلا سلوكيا واجتماعيا يخفف من الضغوط والاعتبارات المدينية ويعلم الناس كيف يدبرون حياتهم وعلاقاتهم في هذه البيئة.
ففي المدينة على سبيل المثال تتلاشى الأسرة الممتدة لتحل مكانها الأسرة النووية، وهذا يرتب جملة من العادات ومتطلبات التأهيل الجديدة، مثل ضرورة تأخير سن الزواج حتى يكون الزوجان قادرين تماما على تحمل المسؤولية بلا مشاركة أو مساعدة من أحد، ويقتضي ذلك غالبا أن يعمل كل من الرجل والمرأة ليتمكنا من تلبية متطلبات الحياة وتكاليفها، وهذا يعني خروج المرأة للعمل واختلاطها مع الآخرين من الرجال والنساء، والأولاد يذهبون إلى مدارس يتجمعون فيها بلا معرفة أو علاقات سابقة بينهم أو بين عائلاتهم، ويواجهون بناء عالمهم وعلاقاتهم بعيدا عن تأثير الأسرة التي لا تعرف كثيرا وربما لا تعرف شيئا عن الطلاب والمدرسين والأهالي، فتنشأ الأجيال الجديدة مستقلة تماما عن الجيل السابق، وهكذا تتوالى الأنساق والمشكلات، ولذلك فإن معظم جرائم الشرف والقتل المصاحب للأزمات العائلية والاجتماعية وغيرها من الجرائم تقع في المدن وأطرافها وليس في الريف والبوادي، لأنها أزمات متعلقة بالمدينة وليس بالقيم والثقافة والدين كما يحسب البعض، وهنا نخطئ في فهم المشكلة وحلولها.
كيف ننشئ تفاعلا صحيحا بين التدين وبين أسلوب الحياة والسلوك الاجتماعي على النحو الذي يساعد على استباق المشكلات أو مواجهتها مواجهة صحيحة عندما تقع؟
إن الدين وبخاصة الإسلام يكون في المدن أساسا وليس في الأرياف والبوادي، الرسالة، والمساجد والزكاة وغيرها هي مؤسسات مدينية تعبر عن المجتمع والدولة، بل إن حروب الردة لم تكن حروبا دينية، ولكنها في الحقيقة قائمة على أزمة العلاقة بين المدينة والأطراف، ولذلك يجب أن يكون التدين أيضا سلوكا مدينيا، وهنا تكون الكارثة عندما يتسرب التريف والرعي والتصحر إلى التدين فيكون ذلك مثل صب الزيت على النار.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد