ثمة خلط كبير يجري في الفهم والملاحظة بين الدين والتدين، وقد حذف المحرر فقرة من مقال الأمس مخافة هذا الخلط، حتى لا يعتبر انتقاد المتدينين انتقادا للدين أيضا، والواقع أن كثيرا من المتدينين يلجأون جهلا أو زورا وبهتانا لحماية وتبرير سلوكهم وأخطائهم بالدين. ولكن الأخطر من ذلك كله، هو اختصار وتبسيط وتشويه المفاهيم الكبرى التي تدور حولها الأديان كلها والحضارة البشرية والحياة الإنسانية أيضا، وهي قضايا الحياة والموت والكون والوجود والحياة ما بعد الموت، وقد كان اعتبار هذه المفاهيم من أصول الدين، وسميت علم الكلام أي كلام الله المنزل، لأنها تشكل المحرك الأساسي للحياة والعلاقات والحضارة أيضا، وليست اعتقادات مجردة وظيفتها تنحصر في حماية صاحبها يوم الحساب، وهنا تكون خطورة التدين واختزال مفاهيم الدين وعزلها عن قيم الحياة والحضارة والتأثير فيها إيجابيا أو التأثير المدمر والضار.
فاعتبار الحياة أمرا مقدسا "من قتل نفسا فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا" إنما يلغي كل مفاهيم ودعوات الفشل والبعد عن الحياة والانشغال والاستمتاع بها على نحو صحيح يحقق الحكمة منها ويطور حياة الناس إلى الأفضل، وهكذا فإن المفاهيم والقضايا الكبرى في الدين إنما هي لحماية المصالح الكبرى أيضا في الحياة نفسها وليس تمضية الحياة بعيدا عن الحياة استعدادا لامتحان شفوي بعد الحياة، ولكن الله منح الحياة للناس وجعلها أقدس شيء في الوجود لأجل إعمارها وللمنفعة "فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه".
وكانت العبادة عملية تعليم طويل وعميق عبر الإصغاء والتأمل والاستماع لاكتشاف الحكمة وليست ألفاظا وحركات إلا بمقدار ما توصل للحكمة والهدف السامي الذي وضعت لأجله. وإذا عجز المتدينون عن الربط بين الصلاة وبين زراعة الصحراء وتحلية المياه وتوفير الطاقة وتنمية الموارد والأعمال والمصالح والاكتشافات العلمية وتحسين حياة الناس بعامة فإنها صلاة لم تزدهم من الله إلا بعدا، وإذا لم تعلمهم جمال الحياة وحبها أو علمتهم بدلا من ذلك حب الموت فلم تقربهم من الحكمة التي منح الله لأجلها الحياة..
فلم يمنح الله الحياة للناس ويدعو لكل أسباب الحفاظ عليها وحمايتها إلا ليتعلموا كيف يحيون وليس كيف يموتون، ولأجل ذلك كان الموت دفاعا عن الأوطان والأنفس حياة وليس موتا، ولكنه موت ليس مطلوبا لأجل ذاته وليس هدفا بحد ذاته، وإنما هو في معناه الحقيقي تمضية الحياة أو ملئها بالعمل الصالح حتى الموت، وليس قتل النفس وهدرها بأي وقت وبأي شكل وبأي مضمون.
وأعلم أن كثيرين من الغيورين على الدين والشهادة في سبيل الله سيهبون للرد على هذا الكلام دفاعا عن الدين وغيرة عليه، ولكني أعلم أيضا أنهم "أحرص الناس على حياة" "ويود أحدهم لو يعمر ألف سنة" ولا يطبقون من الدين سوى "وحرض المؤمنين"، ولكنهم يعتقدون أنهم ليسوا معنيين بهذا التحريض ربما لأنهم ليسوا مؤمنين، أو لأن الله أوصاهم بالعقارات خيرا ليجدوا في كل فسحة بين بيع وشراء شقة وأخرى لتحريض المؤمنين.
كلما رأيت جموع المقبلين على المساجد والمحاضرات وفضائيات الدعوة والإسلام أتساءل عن أثر هذا الإقبال على حياة الناس وأعمالهم إيجابا وسلبا، ولكني أخشى أن كثيرا منها ليست أكثر من الهروب من الحلول القاسية المملة، ولكنها الحلول الوحيدة(للأسف الشديد) للتعلم والتنمية، والشفاء أيضا، وهذا الشعور بالرضا الذي يحل عليهم بعد موعظة أو برنامج تلفزيوني لا تمنحهم سوى النشوة الزائفة ونسيان حقيقة أن العلم والعمل ليسا ممتعين وليسا مخدرات ولا نرجيلة!
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد