ربما يكون ثمة حاجة للتوقف الطويل والمتكرر أمام مجزرة أبو علندا باعتبارها شاهدا على التحولات الكبرى الجارية حولنا وضرورة تحقيق سلام اجتماعي يحمي الأفراد والمجتمعات.
كيف استطاع شاب أن يجعل من السجن مناسبة لتعليم نفسه، فيخرج من السجن حرفيا متقنا أو مترجما بعد إتقانه اللغة الإنجليزية أو أستاذا جامعيا بعد حصوله على الدكتوراه في السجن، وفي المقابل فإن عددا كبيرا من السجناء(بل إن ذلك يكاد يكون أصلا) تزداد مشكلاتهم الجنائية وسرعان ما يعودون إلى السجن بعد خروجهم منه، كيف تستطيع أسرة بقدر من الدخل أن تدير احتياجاتها الأساسية وتوفر لأفرادها فرصا معقولة من التعليم والعيش الكريم، ولا تستطيع أسرة أخرى بنفس الدخل والظروف أن توفر مستوى المعيشة والتعليم لأفرادها؟ المثالان للدلالة على ضرورة مواجهة الأزمات والتحولات الاقتصادية والاجتماعية بمنظومة من البرامج والتحولات المكافئة والوعي المسبق بهذه التحولات لأجل استيعابها ومواجهتها.
فالأزمة الاقتصادية تؤدي بالضرورة إلى تشكيلات سياسية واجتماعية وثقافية مصاحبة لها، ولكن هذه التحولات ليست قدرا حتميا، ويمكن بالوعي المسبق والبرامج الفردية والمجتمعية والرسمية المكافئة لها إعادة التشكيل الإيجابي للأفراد والمجتمعات، والتقليل من الأزمات الاجتماعية والأخلاقية المتوقعة أو مواجهتها بأقل الخسائر، وفي المقابل أيضا فإن النمو الاقتصادي لا يؤدي بالضرورة إلى نمو اجتماعي وثقافي، وإذا لم تتشكل رؤية مسبقة وواضحة للتحولات الممكنة والمطلوبة وغير المرغوبة فإن المشروعات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية تؤدي إلى غير أهدافها المفترضة.
يقول الدكتور حمود عليمات أستاذ علم الاجتماع والأمين العام السابق لوزارة التنمية الاجتماعية إن الأموال التي تنفق لمواجهة الفقر تفوق بأضعاف النفقات المطلوبة أو الممكنة لحل المشكلة، والمقولة تصلح مثالا واضحا كيف أن الجهود والموارد إذا لم توضع في مكانها الصحيح وتدار على نحو صحيح فإنها لن تؤدي إلى هدفها المفترض، وأعتقد أن الأزمة تكمن هنا، أزمة الأولويات وتحديد الاحتياجات الحقيقية والإدارة الرشيدة للموارد، وقبل ذلك كله الوعي الواضح والمسبق بالمشكلات والاحتياجات، ويجب المسارعة إلى أن المثال ليس من أجل التشكيل بجدوى وأهمية المشروعات والصناديق الاجتماعية الرسمية منها والأهلية، فهي بالتأكيد وبخاصة صندوق المعونة الوطنية تؤدي عملا جليلا، وتسعى في امتلاك خبرات وتجارب وإرساء قواعد وتقاليد للعمل الاجتماعي، ولكنا بحاجة للنظر إلى المشكلة رؤية شبكية وليس وفق عملية تقويم ومراجعة علمية معزولة عن البيئة والمنظومة الشاملة التي تعمل فيها البرامج والمشروعات، من الأفراد والمجتمعات والعلاقات والمؤسسات والأسر، وهنا تكمن صعوبة الفهم والتقدير، لأن البرامج نفسها يمكن أن تتحول إلى مشكلة أو سبب لها.
المسألة تتشكل في معادلتين يجب تحقيقهما وأن يعملا معا متفاعلتين وليستا منفصلتين، أولهما التزود الفردي والمجتمعي بقدر من الثراء الاجتماعي والروحي يحقق التماسك والسلام والانسجام الداخلي والشعور بالرضا، وهو ثراء بالمناسبة وإن كان التدين يساعد في تحقيقه لكنه ليس المقصود به الشعور بالراحة والاطمئنان والشوق إلى الحياة ما بعد الموت، ولكنه القدرة على حماية الذات في مواجهة الأزمات والأحداث اليومية والمصائب والمفاجآت، والقدرة أيضا على التعامل مع متطلبات الحياة وإدارة العلاقة مع الآخرين على نحو يحقق السلام والرضا، ببساطة السلام المؤدي إلى الشعور بالرضا الحقيقي عن الإنجاز والحياة والعلاقات، والمعادلة الأخرى هي القدرة على تحديد الاحتياجات والأولويات والخيارات الممكنة لتحقيقها وإدارتها، والموازنة بين الموارد والمتطلبات والخيارات، بحيث يحصل الإنسان على احتياجاته الأساسية في السكن والغذاء واللباس والصحة والتعليم والمشاركة ضمن الموارد والخيارات المتاحة.
ومن المهم ملاحظة أن الثراء الروحي والاجتماعي وإدارة الموارد والخيارات تعمل معا، وهنا يمكن ملاحظة الشعور الزائف بالسعادة والاطمئنان من السلام الحقيقي بملاحظة أثر هذه المشاعر على حياة الإنسان، أي أن السلام يقاس بمقدار ما يحسن حياة الإنسان وسكنه وتعليمه وصحته وغذائه ومشاركته مع المجتمع والأصدقاء والأسرة والزملاء مشاركة إيجابية وصحيحة، وإذا لم تشكل الحالة الروحية للإنسان قدرة على النجاح في الحياة فإنها في الحقيقة نوع من الخواء الخطير الذي سيؤدي إلى الفشل والجريمة والتطرف والانحراف، وهنا يمكن ملاحظة التدين المغشوش والفاشل من الصحيح والحقيقي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد