هل يستضيف كامب ديفيد هذا العام خالد مشعل وبشار الأسد وتسيبي ليفني ويحقق بوش قبل أن يغادر الرئاسة ما عجز كلينتون عن تحقيقه؟ هناك الكثير من التحولات والإشارات التي تشجع على الإجابة بنعم.
المفاوضات السورية الإسرائيلية الجارية بتنسيق تركي، والمفاوضات بين إسرائيل وحماس بتنسيق مصري، والاتصالات الفرنسية مع حماس، واستمرار حكومة حماس في غزة، واتفاق الدوحة الذي حرك إيجابيا إلى الأمام المسألة اللبنانية، والانسحاب الأمريكي المرجح من العراق، وترجيح الفكرة المستمدة من أن استبعاد إيران ومنعها من التمدد غربا باتجاه المتوسط يقوم على الاتفاق مع سورية وحزب الله وحماس ودمجهما في العملية السياسية الإقليمية الجارية، والإشارات المتعددة من حماس تشجع على الاستنتاج أن العام 2008 سيرحل عن العالم وقد أسس لدولة فلسطينية برئاسة خالد مشعل واتفاق سلام جديد مع إسرائيل يواصل مشروع أوسلو، واتفاقية سلام سورية إسرائيلية تعيد الجولان لإسرائيل مقابل ضمان تدفق المياه لإسرائيل وانسحاب شبه كامل من سورية، وربما (وهذه مغامرة تحليلية) نرى طريقا دوليا يربط الأردن ولبنان (وإسرائيل بالطبع) يجعل لبنان دولة محايدة (متطرفة في الحياد) ولا تبقى مسرحا جغرافيا لسورية وحدها.
بالطبع فإنه سيناريو كبير قد لا تتسع له الشهور المتبقية من العام، ولكنه يبدو عدا حجة الزمن القليل غير الكافي منطقيا وقابلا للتوقع، فإسرائيل تظهر إجماعا فريدا على ضرورة التسوية السياسية مع سورية، وإذا جاءت ليفني إلى رئاسة الوزراء فيتوقع أن تحقق تماسكا سياسيا إسرائيليا يمكنها من خطوة جريئة باتجاه سورية وحماس ثم لبنان.
والواقع أنه السيناريو الأكثر قبولا كنتيجة للحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 فقد وضعت الحرب الأطراف جميعها أمام واقع جديد مفاده استحالة التخلص من الخصم أو ضربه ضربة ساحقة نهائية، فلا الولايات المتحدة قادرة اليوم على هزيمة إيران، ولا حزب الله يريد حربا مع إسرائيل ولا إسرائيل تريد حربا مع أحد من جيرانها ولا مع الفلسطينيين، ولم يعد هناك طرف راغب في استمرار الانتفاضة، وقد انسحبت إسرائيل من لبنان عام 2000 باتجاه هذا السيناريو، ومضى باراك إلى كامب ديفيد مؤملا الوصول إلى ما يتوقع وصوله في العام 2008، ولكن انتفاضة عام 2000 والتي كانت رغبة شارونية ليكودية كهجمة مرتدة ضد حزب العمل الذي بدأ يترنح، وكانت أيضا رغبة عرفاتية فتحاوية للخروج من حصار حماس وصعودها، واستدرجت إليها حماس المحاصرة أيضا، وكأنها استراتيجية المحاصرين، مثل لعبة المصارعة التي يحاط فيها المصارعون بشبك مرتفع ويجبرون على المصارعة إلى الأبد، ويكون الفائز هو من يقدر على الخروج من الشبك!
واليوم وقد أفل حزب الليكود، وفشلت النخب الإسرائيلية في تحقيق أغلبية تجمع الإسرائيليين بل وأصبحت أحزاب وجماعات وإثنيات إسرائيلية تشكل خطرا على إسرائيل أكثر من الفلسطينيين، وفشلت الولايات المتحدة في مغامرتها العراقية، وانحسرت الأصولية المسلحة في العالم كله تقريبا، وتمددت إيران غربا، وتمددت روسيا جنوبا، ونهضت الصين والهند اقتصاديا وتقنيا، ونضجت حماس وتطورت سياسيا، وأدركت عمليا (وأيديولوجيا أيضا) حدود اللعبة وممكناتها، وأما سورية فإنها تنتظر منذ أعوام طويلة أن يقتنع الإسرائيليون والأمريكان بعبثية اللعبة وعدم جدوى الاستمرار فيها.
الزمن هو القوة العظمى في هذا الكون، والتي تكاد تسير العالم وتغير الأفكار والمعاني والمواقف واللغات والثقافات وكل شيء، وإغفال القوة الرئيسية الأولى والفاعلة في التحليل والتفكير يشبه تجاهل تأثير الشمس والضوء في تفسير وفهم النباتات والكائنات الحية، وهكذا فإنه منذ العام 2000 تغيرت حماس وإسرائيل ومات شارون وعرفات، وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري تغيرا أيضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد