كان ذو الإصبع العدواني من أهم شعراء الجاهيلة وهو من بني عدوان، وكانت قبيلة عظيمة كثيرة العدد أهلكها القتال والسلب، قال الأصمعي: نزلت عدوان على ماء فأحصوا فيهم سبعين ألف غلام أغرل سوى من كان مختونا لكثرة عددهم ثم وقع بأسهم بينهم فتفانوا، وقال ذو الإصبع في ذلك:
عذير الحي من عدوان كانوا حية الأرضِ
بغى بعضهم بعضا فلم يبقوا على بعضِ
فقد صاروا أحاديث برفع القول والخفضِ
ومنهم كانت السادات والموفون بالقرضِ
ومنهم من يجيز الناس بالسنة والفرضِ
ومنهم حكم يقضي فلا ينقض ما يقضي
وقول ذي الإصبع "ومنهم حكم يقضي، فإنه يعني عامر بن الظرب العدواني كان حكما للعرب تحتكم إليه.
وتعد قصيدته "يا من لقلب" من عيون الشعر العربي وأجمله، وفيها من الحكم والمعاني الجميلة التي تصلح حتى اليوم للاستذكار، وفي ملاحظة التعقيبات على مقالتي عن الأستاذ سالم الفلاحات، تذكرت له بيتين من الشعر، ثم تفضل الأخ محمد عبدالسلام فأورد جزءا كبيرا من القصيدة في تعقيب له مذكرا بضرورة التسامح، ويتحدث عن ابناء عمومته وما بينه وبينهم من خصومة لم يعد يشفيها كما يقول أن يشرب دمهم أو يشربوا دمه.
يقول ذو الإصبع العدواني:
يا من لقلب طويل الهم محزون = أمسى تذكر "ريا" أم هارون
أمسى تذكرها من بعد ما شحطت = والدهر ذو غلظة حينا وذو لين
فإن يكن حبها أضحى لنا شجنا = وأصبح الوأي منها لا يواتيني
فقد غنينا وشمل الدار يجمعنا = أطيع "ريا" و"ريا" لا تعاصيني
نرمي الوشاة فلا نخطي مقاتلهم = بصادق من صفاء الود مكنون
ولي ابن عم على ما كان من خلق= مختلفان، فأقليه ويقليني
أزرى بنا أننا شالت نعامتنا = فخالني دونه بل خلته دوني
يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي= أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
لاه ابن عمك، لا أفضلت في حسب = عني، ولا أنت دياني فتحزوني
ولا تقوت عيالي يوم مسغبة = ولا بنفسك في العزاء تكفيني
فإن ترد عرض الدنيا بمنقصتي = فإن ذلك مما ليس يشجيني
ولا يرى في غير الصبر منقصة = وما سواه فإن الله يكفيني
لولا أواصر قربى لست تحفظها = ورهبة الله في مولي يعاديني
إذن بريتك بريا لا انجبار له = إني رأيتك لا تنفك تبريني
إني لعمرك ما بابي بذي غلق = على الصديق، ولا خيري بممنون
عف يؤوس إذا ما خفت من بلد = هونا، فلست بوقاف على الهون
ولا لساني على الأدنى بمنطلق = بالفاحشات، ولا فتكي بمأمون
لي ابن عم لو أن الناس في كبد = لظل محتجزا بالنبل يرميني
إني أبيُّ أبيُّ ذو محافظة = وابن أبيُّ أبيُّ من أبيين
وأنتمو معشر زيد على مائة = فأجمعوا أمركم كلا فكيدوني
فإن عرفتم سبيل الرشد فانطلقوا = وإن جهلتم سبيل الرشد فأتوني
ماذا علي وإن كنتم ذوي كرم = ألا أحبكو إن لم تحبوني؟
الله يعلمكم والله يعلمني =والله يجزيكمو عني ويجزيني
الله يعلم أني لا أحبكمو = ولا ألومكمو ألا تحبوني
لو تشربون دمي لم يرو شاربكم = ولا دماؤكمو جمعا ترويني
قد كنت أوليكمو مالي، وأمنحكم = ودي، على مثبت في الصدر مكنون
لا يخرج الكره مني غير مأبية = ولا ألين لمن لا ينبغي ليني
يا عمرو لو كنت لي ألفيتني يسرا = سمحا كريما أجازي من يجازيني
وعندما زار عبدالملك بن مروان الخليفة الأموي العظيم الكوفة جلس لعرض أحياء العرب، فلما تقدم إليه أعيان جديلة سألهم: من أيكم ذو الإصبع، وجعل يسألهم عن أخباره وأشعاره، ثم قال لأحدهم أنشدني قوله "عذير الحي من عدوان" القصة طويلة وفيها أشعار وأسماء كثيرة، ولكن من أجمل ما فيها أن عبدالملك زاد في العطاء لم يعرف ذا الإصبع وخفض لمن لا يعرف.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد