-1-

«كنتُ أتذكّرك وروحي تضيق بهذا الحزن الذي تعرفين.

أين كنتِ آنئذٍ؟

بين أيّ أناس؟

أيّة كلمات كنتِ تقولين؟

لماذا يداهمُني كل هذا الحب

عندما أشعر بالحزن، وأَشعرُ بكِ بعيدة؟»

بابلو نيرودا, عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة

-2-

منذ أن فقدت أمي، أعني حين شعرت باليتم الحقيقي، تحولت إلى باحث عن الأمومة، حيثما وجدت: في الطبيعة، في رسومات الفنانين، وعناق أغصان الشجر لبعضها، وفي لهفات القطة على صغارها، وبحثت عن الأمومة في كل النساء اللواتي عرفتهن، وأدركت أن الأنثى تزداد أنوثة وفتنة، كلما زادت «جرعة» الأمومة في كيانيتها، وكلما قلت، تحولت إلى «ذكر» ولكن بلا رجولة

-3-

كان لدي أم

أتمتم بها كثيرا، خاصة حين أفتقد تلك اليد الخشنة، التي كانت تحتضن جبيني المقطب، كلما شعرت برغبة حارقة في أن أكون طفلا، يرخي جدائل حزنه على صدر حنون

-4-

من يبيع «أمومة»؟ هل ثمة زجاجات مختومة تحتوي على هذا «المنتج» الأسطوري، فأشتريه؟ أهو مادة يمكن توليدها في المختبر، وإكثارها، لتشيع بين الناس، كلما شحت في حياتهم؟ ليتها كانت كذلك، إذًا لغدت أغلى «منتج» خلقه الله لعبيده المتعبين

-5-

في حياة الرجل عدة «أمهات» الأولى أمه التي ولدته، والثانية شقيقته الكبرى التي تحنو عليه، والثالثة زوجته، التي تداوي جراحه، ويا لتعاسة الرجل الذي حُرم حنان هذا الثالوث المقدس

-6-

كلما «رضع» الطفل ما يكفي من أمومة، كلما زادت فرصته في أن يكون رجلا حقيقيا، مكتمل الرجولة، أما الرجال القساة، المضطربون، القلقون، الممزقون، غير المستقرين، فهم أولئك الذين لم تتح لهم الفرصة للقول بملء الفم: كان لدي أم

-7-

تولد المرأة على فطرتها: أما، أو قل «مصنعا» للحنان، وما يحدث فيما بعد، أن بيئتها إما تعد «خطوط الإنتاج» الكامنة فيها فتعمل بكامل طاقتها لإنتاج الحب والحنان، أو تدمرها كليا، او جزئيا، ومع ذلك، تبقى تشعر بالحنين، لممارسة أمومتها، حتى على قطة تقتنيها، او نبتة زينة تربيها في الظل

-8-

يخيل لي أن «الأمومة» إكسير الحياة، وهي تدخل في مكونات كل مظاهرها، فالحاكم الذي يفتقر إلى عنصر «الأمومة» لا يمكن أن يحنو على شعبه، والمدير الذي يخلو قلبه من دفء الأمومة، لا يستطيع أن يحب «رعيته» فيقسو عليهم، ويمارس جبروته وخشونته، والأسرة التي غابت عنها الأمومة، أسرة مفككة بائسة، تنتج أبناء قُدّت قلوبهم من الصخر


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة  حلمي الأسمر   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية