وقفة سريعة جداً مع أحداث تونس ومصر والجزائر واليمن ، والبحرين ، والعراق وسوريا والأردن وغيرها ، وما سيلي من مثل ذلك في أقطار أخرى تكاد تبدو بعض معالمها وإشاراتها.
لا أقصد أن أحلل كل حدث بتفصيلاته ، ولكن أود أن أشير إلى بعض المعالم المشتركة الرئيسة منطلقاً من منهاج الله ـ قرآناً وسنة ولغة عربية ـ .

 

إن أول ظاهرة واضحة هي غياب صوت الإسلام، صوت الإيمان بالله الواحد الأحد، صوت الدين الحق ليجهر بمبادئه الربانيّة، ويعلن عن وجوده ووجود جنوده الذين يصدقون الله ربهم، ويؤثرون الدار الآخرة على الدنيا  ويكشفون عن المبادئ الربانيّة التي تحتاجها البشرية كلها ، تحتاجها الشعوب كلها ، تحتاجها الإنسانيّة كلها، ويكشفون عن وجود هذه الأمة الربانيّة التي حمّلها الله هذه الأمانة العظيمة لنبلّغها نقيّة صافية للناس كافة كما أُنْزِلتْ على محمد صلى الله عليه وسلم ، دون تنازل عن أيّ شيء منها.

 

هذا الصوت الذي كنا نرجو أن يكون مدوّياً في قلب العالم الإسلامي ، غاب تقريباً غياباً كبيراً، ودوّى بدلاً منه صوت الديمقراطية الوثنية الغربية، صوت الديمقراطية يُحمِّلونه زوراً وبهتاناً أهم خصائص الإسلام: الحرّية والعدالة والمساواة.

 

لم تعرف البشرية كلها حرّية وعدالة ومساواة كما عرفها عصر النبوة الخاتمة والخلفاء الراشدين فكراً وعقيدة في دين الله ، وممارسة وتطبيقاً في الواقع لدِيْن الله، لتبقى نموذجاً مشرقاً في حياة البشرية كلها، يَدْعُون إِليه ويتَّبعونه دون سواه!
نكاد نرى أن الصوت المدوّي من كثير من الدعاة المسلمين هو صوت الديمقراطية ، وغياب صوت الإسلام، الإسلام الذي به أصبحوا دعاةً وبه عرفوا دعاةً ، فما كادوا يشتهرون ويُعْرَفُون حتى دوَّى صوتهم بالديمقراطية وبالعلمانية وبأمثالهما.

 

في مؤتمر في باريس كانت محاضرةُ داعيةٍ مسلمِ تدور حول أن العلمانية مساوية للإسلام، وقال إن الإسلام حرّم الخمر، ولكن العلمانية في فرنسا أباحته إلا أنها لم تفرضه ، فتساوى بذلك الإسلام والعلمانية . وقال إن الإسلام أباح الزواج بأربع نساء بالشروط الشرعية المحددة، وفرنسا العلمانية منعت الزواج القانوني بأكثر من واحدة. ولما كان الإسلام لم يفرض الزواج بأربع أصبح الإسلام مساوياً للعلمانية . تحريف واضح لدين الله.
وفي مؤتمر إسلامي في السويد ـ في استوكهولم ـ قال أحد الدعاة المشهورين إننا ندعو للديمقراطية ! فسألته : لماذا تدعو إلى الديمقراطية في مؤتمر إسلامي ، والديمقراطية وراءها دول عظمى تدعو لها وتنفق المليارات من أجلها ؟! قال : لأننا نريد الحرية والعدالة والمساواة ! قلت له : إذا لم تكن هذه القضايا في الإسلام على صورة أصدق وأنقى ، فأعلن رأيك بأن الإسلام لا حرية فيه ولا عدالة ولا مساواة، وإذا كانت متوافرة في الإسلام على أحسن صورة وأوفى مثال، فلماذا تنزعها من الإسلام وتلصقها بالديمقراطية دون وجه حق ! وسألته : هل تعرف الديمقراطيـة ومنبتها من الوثنية اليونانية ؟ وهل تعرف آثار تطبيقها في الواقع البشري؟!
 
فمن أخرج المسلمين من فلسطين لاجئين مشردين دون عدالة ولا حرية ولا مساواة ؟! ومن أثار الفتن والحروب والدمار في العالم الإسلامي ؟! إنها الديمقراطية التي يدعو لها الغرب المعتدي الظالم ! من دمَّر العراق ؟! من دمّر أفغانستان ؟! من أذلّ المسلمين أينما كانوا ؟!
وقد نشرت صحيفة اللواء الأردنية مقالة لداعية مسلم مشهور في مركزه القيادي ، حيث كان عنوان المقالة :" نحن مع الديمقراطية بجميع معانيها وأبعادها "، حتى كأنه لا يعرف أن من معانيها وأبعادها وأصولها الوثنيّة اليونانية !

 

وقد انتشر هذا الأُسلوب بين الدعاة المسلمين ، حتى أقام بعضهم مهرجاناً كبيراً عنوانه : " مهرجان الديمقراطية " والأمثلة من الواقع على ذلك كثيرة جداً . إنها فتنة كبيرة عَمّت .
فالعجب العجاب أن يتخلَّى بعض الدعاة المسلمين عن عقيدتهم وشعاراتها ونداءاتها وينقلبوا إلى سوء الديمقراطية وفداحة جرائمها بحق الإسلام والمسلمين ، وينسوا أنهم يحملون أمانة عظيمة سيحاسَبون عليها بين يدي الله ، والأمانة التي بها أصبحت الأمة المسلمة خير أمّة أخرجَتْ للناس :
( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ آل عمران :110]

 

لو نظرنا نظرة سريعة إلى العالم الإسلامي لوجدناه مليئاً بالفِتن والفواجع والدمار والقتل ، يقوم به بصورة مباشرة العالم الغربي الديمقراطي الذي جعل من الديمقراطية شعار تخدير وتغييب . فانظر إلى العراق وكم دمّره الغرب الديمقراطي، وانظر إلى أفغانستـان وباكستان وفلسطين والصومال، واليمن، ولبنان، فتنٌ تتوالى ، وفواجع تتزايد.
ولكن العالم الغربي الديمقراطي لم يصل إلى هذه النتائج مصادفة، ولكنه وصل إليها بنهج وتخطيط استمرّ قروناً طويلة . إنه نهج وتخطيط اجتمع عليه العالم النصراني والعالم اليهودي الصهيوني، يُفرغون فيه شرور عبقرياتهم في عمل دائب متواصل على صبر وأناة في حرب الإسلام.

 

ومصدر ذلك أن العالم النصراني والعالم الصهيوني التقيا على ذلك بعد تجارب لهم طويلة ، خرجوا منها بنتيجة واضحة في قلوبهم المليئة بالشرّ ، نتيجة خلاصتها أنه لم يقف أمام أطماعهم من نهب الشعوب والإفساد فيها إلا إسلام محمد صلى الله عليه وسلم إسلام جميع الرسل والأنبياء، إنه دين الله الحق كما جاء في الرسالة الخاتمة ، رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ووجدا مع طول الخبرة وطول التاريخ أنهم يستطيعون أن يدخلوا في مساومات وتنازلات مع جميع المبادئ التي يجابهونها إلا مبادئ دين الله الحق تحمله الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس ، فلا مجال مع هذا الدين العظيم للمساومات والتنازلات ، ذلك أنه أمر الله لعباده المؤمنين أن يبلّغوا رسالة الله ودينه الحق كما أُنزِل على محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة ، لا يقبلون منهم إلا الإسلام أو القتال أو الخضوع والاستسلام والجزية . كلام فصل، ودين حق!

 

وبعد التجارب الطويلة للعالم النصراني والعالم اليهودي ، خرج هؤلاء بنتيجة محدّدة لهم أن لا حلّ ولا جدوى إلا بإزاحة الإسلام عن طريقهم، وتدمير العالم الإسلامي كلِّه وتدمير طاقاته مهما كلَّف ذلك من زمن وجهد .
وهنا نقف وقفة سريعة مع حُيَيّ بن أخطب اليهودي الذي زار الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم هو وأخوه ياسر بن أخطب ، حين وصل الرسول الخاتم إلى المدينة المنوّرة . وبعد خروجهما من الزيارة ، سأل ياسر أخاه حييّاً : هل هذا هو النبي المذكور في التوراة ؟! قال حييّ : نعم ! إنه هو ! ثم سأله : أهذه هي صفاته ؟ قال : نعم ! هي هي ، وهو هو ! فقال ياسـر لأخيه ما موقفك منه ؟! قال : كراهيته وعدوانه ما حييت !
وهذا قول الله سبحانه :( وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ )[ البقرة :120]
إنه إذاً عداء ممتدّ وحقد وكراهية ، لا يزيل ذلك المجاملات أو التنازلات أبداً . إنها حقائق ربانيّة ! وقد تختلف أساليب الحقد والكراهية والعدوان من عصر إلى عصر . فقد تلجأ إلى لين ظاهريّ وكيد كبير باطني لا يخفى على المؤمن ذي البصيرة . وحتى لو أظهرتَ حبَّك لهم وثقتك بهم لا يتغيّر حقدهم وعداؤهم.

 

ويحذّرنا الله سبحانه وتعالى من كيدهم ومكرهم في آيات كثيرة ، نأخذ منها قبسات : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ . هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ ۚ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ . إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) [ آل عمران :118ـ120]

 

وكذلك قوله سبحانه وتعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ . إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ . لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ ۚ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )[ الممتحنة :1ـ3]

 

عند تدبّر هذه الآيات الكريمة والنّظر في واقعنا اليوم ، ندرك أنّ هذه الآيات الكريمة تحذُرنا من خطر كان يهدّد المسلمين عند نزولها ، وهو يهددهم اليوم كذلك ! فهي تحذير للمسلمين على مرّ العصور، ما دام أعداء الله ماضين في حربهم على الإسلام مكراً وكيداً وعدواناً.

 

وهذا هو التاريخ بين أيدينا . فمنذ معركة الأحزاب حول المدينة المنورة وفيها الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته ، وقد أحاطت بالمدينة حشود الكافرين ومؤامرات بني قريظة وغيرهم ، حتى يومنا هذا لا نجد إلا عداءً مستحكماً يتجلّى فيما يحيكونه من مصائب وعدوان وفواجع لا تكاد تنتهي .
ومن خلال هذا التاريخ وتجاربهم فيه رأوا يقيناً أنه لا مجال للمساومة مع هذا الدين ، دين الله ، دين جميع الرسل والأنبياء ، دين النبيّ الخاتم ، لا مجال للمساومة معه ولا مجال لتنازلات منه ، فلا بد من إزاحته من طريق عدوانهم ونهبهم لثروات الشعوب وإِفسادهم في الأرض ، وظلمهم وعدوانهم ما وجدوا المجال لذلك.

 

ولنستعرض بعض مراحل كيدهم وتخطيطهم المنهجي . فلعلّ أول ما بدؤوا به نشر الفساد في العالم الإسلامي ، ونشر الفاحشة والخمور ، وسائر أنواع الفتن . وقد نجحوا في ذلك كثيراً ، وامتدَّ الفساد بجميع أشكاله في معظم أقطار العالم الإسلامي .
وكان مع هذه الخطوات محاولات تجهيل المسلمين باللغة العربية وفق مناهج مدروسة وخطط عملية . وقد نجحوا في ذلك حتى عمّت اللغة العامية وبعض اللغات الأجنبية بتشجيع منهم ومن أعوانهم ، وباستسلام الكثيرين من المسلمين . ومن خلال ذلك أخذوا ينشرون في العالم الإسلامي كله دعوات منحرفة جاهلية إقليمية أو قوميّة أو أمثال ذلك من العصبيات الجاهلية ، حتى بدأ المسلمون أنفسهم ينشدون الأناشيـد المخالفة للدين والحق . ومنها نغمة العروبة في صورتها الجاهلية التي تفرّق المسلمين:

 

بــلاد العـــرب  أوطانـي     مـن  الـشـام لبغــــداد
ومن نجـدٍ إلـــــى  يمـنٍ     إلـى مـصـر فتطــوان
فـلا حــــدٌّ  يبـاعـدنـــــا     ولا ديـــــنٌ  يـفـرّقـنـا
لسـان الضــــاد يجمعنـا     بـغـســـانٍ  وعـدنـــان
لـنـــــا مـدنيّــــة سلفـت     فنحيـيهـا وإن درسـت
ولـو في وجهها وقفـت   دهـاةُُ الإنــــس والجــان

 

وأمثال ذلك كثير . وكان الأطفال الصغار والفتيان والشباب يردّدون هذه الأناشيد ويطربون لها ، وكأنهم لا يعون ما يقولون :
ولا ديـنٌ  يـفـرّقـنـا     لسـان الضـاد يجمعنـا
وامتدَّت الفتنة في النثر والشعر ، وفي المواقف والاتجاهات ، ثم أخذت تتبلور في الأحزاب ، تحت شعارات حرّية الرأي المتفلِّت !
لقد بثَّ العالم النصراني والعالم اليهودي كل جنوده وطاقاته في جميع أرجاء العالم الإسلامي ، يتسلّلون إليه بعد أن هُدّمت الحصون ، وزالت الأسوار وفُتحت الأبواب !
لقد كان دور هذه الخطوات فتنة الناس وتخديرها واصطفاء رجال منا يقفون معهم ويدعون بدعوتهم سرّاً وجهراً . وذلك كله تمهيد للخطوة التالية القاضية التي تقع والناس في خدر وغيبوبة وغياب .
ذلك أنهم كانوا يخططون للضربة الكبيرة لإزالة العقبة الكبرى أمامهم ، ألا وهي الخلافة الإسلامية التي تجمع المسلمين أمة واحدة وصفّاً واحداً ، لا حدود تفصل بعضهم عن بعض ، ولا مذاهب مختلفة تتصارع وتنخر في جسد الأمة .
وقد اجتمع على التخطيط لهذا الأمر الكبير عقول كثيرة منهم وعزائم كثيرة . ولا أدلَّ على ذلك من كتاب " مئة مشروع لتقسيم تركيا " تأليف الوزير الروماني "ت.ج. دجوفارا" بالفرنسية . وظهرت الطبعة الأولى منه في باريس سنة 1914م وقدّم للكتاب الأستاذ في كلية الحقوق وكلية العلوم السياسية : " لويس رينو " ، وقدّم الكتاب الداعية المسلم محمد العبدة .

 

إنه لجهد ضخم أن يقوم مئة مشروع لتقسيم دار الخلافة الإسلامية . ولا شك أن هذا الجهد استغرق زمناً طويلاً من عدة أشخاص وأمم . يبدو أن هذه كانت قضية كبيرة جداً أمام العالم النصراني واليهودي . وما كانت المحاولات التي سبق ذكرها إلا تمهيداً لهذا الحدث الكبير . وهذه المحاولات والجهود ظلّت مستمرّة حتى هذه اللحظة ، وستظل مستمرة ما دام في الأرض مسلمون يعبدون الله وحده .
ولقد أثمرت الجهود والمكر والكيد لتمزيق أرض الإسلام ودار الخلافة أخيراً وأُسقطت الخلافة ، واعتقل الخليفة المسلم ، وهو وسط أكثر من مليار مسلم في الأرض ، لم يفزعوا لخليفتهم ، وربما كان من بين المنتسبين للإسلام من ساهم في إسقاط الخلافة وتمزيق أرض المسلمين .
وكانت هذه فاجعة كبيرة وقعت وسط " غياب وغيبوبة " ، ثم تَلتها فواجع أخرى تتوالى . كان من أهمها تقسيم العالم الإسلامي وتمزيقه إلى أقطار تفصلها حدود . وقد تم ذلك في يسرٍ وسهولة ، وأخذت تظهر الأناشيد الجديدة التي تحيي هذا التقسيم ، من مثل :

 

أنـت سـوريـا بـلادي   أنـت عنـوان الفخامـة

 

نقلة كبيرة من : دار واحدة للإسلام وأمة مسلمة واحدة ، إِلى " بلاد العرب أوطاني " ، إلى : " أنت سوريا بلادي " .
نقلة كبيرة من : " دار الإسلام وأمة الإسلام " إلى : " بلاد العرب أوطاني " إلى : " فلا دين يفرقنا " ، إلى " أنت سوريا يا بلادي " أو " مصر أم الدنيا " ، أو "بلادي أولاً " ! وإلى : " بلادي أولاً وأخيراً " .
نقلة كبيرة استغرقت قروناً طويلة وجهوداً كبيرة من أصحابها ، وهم عازمون مثابرون في رسم المناهج والخطط ، و" المسلمون في غياب وغيبوبة " !
ولقد رأينا نماذج من ذلك في ثورة " 25 يناير " ، حين خرج الصليب من وسط ملايين المتظاهرين ، وحين غاب صوت الإسلام إلا من صوت خافت ضعيف غيّر معاني الآيات وبدّلها على هواه ، لتناسب اللحظات الهائجة تلك . وأصبح قوله سبحانه وتعالى : "  وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ... " ، الآية التي تعني أمة الإسلام ودين الإسلام ، دين جميع الرسل والأنبياء ، أصبحت كما رغب من نادى بها وسط الجماهير غير ذلك ، أن الأمة الواحدة هي التي تجمع الملل المختلفة مع اختلافها .
وسقطت الخلافة الإسلاميـة ، ووقف فريق من المسلمين يساهمون في إسقاطها ، ونصرة أعداء الله وأعداء الإسلام من خلال غياب وغيبوبة . وتقسَّم العالم الإسلامي إلى دول ضعيفة لا حول لها ولا قوة إلا في هدير الشعارات المتناقضة ، وامتدّت المؤامرات واتَّسع نطاقها كما نرى اليوم ، وسقطت فلسطين بأيدي اليهود ليدّعوا أنها أرض يهودية منحها الله لهم افتراءً على الله ، وخَفَتَ صوت المسلمين شيئاً فشيئاً : فَحِيناً هي أرض الأمة المسلمة ، ثم هي أرض العرب والعروبة ويغيب صوت الإسلام ، ثم هي أرض الفلسطينيين وحقهم ويغيب صوت الإسلام وصوت العروبة ، وأخذ صوت الفلسطينيين يغيب ويضعف وسط خلافات وانشقاقات وتمزّق داخلي ، تدور فيه التهم والعداء ، حتى أصبح كل فريق يرى الفريق الآخر عدوه أكثر مما يرى عداوة اليهود .

 

واقع العالم الإسلامي اليوم ، بالرغم من بعض مظاهر الاستقلال ، إلا أنه عالم ممزّق إلى دول بعضها يعادي بعضاً ، أو يسالمه على حسب المصالح المادية الآنية لا يحكمهم شرع الله .
في هذه اللحظات اشتدّ عداء العالم النصراني واليهودي للعالم الإسلامي ، وأصبح أكثر جرأة في الهجوم على الإسلام والمسلمين ، وأكثر إعلاناً لحربه على الإسلام إعلاناً جريئاً ، من خـلال رجال ذوي مناصب ، ومن خلال أحزاب وتكتلات ، ومن خلال مؤسسات وهيئات ، ومن خلال جيوش زاحفة وسلاح مدمّر ، وكل ذلك يمضي على نهج مدروس وكيد مغروس .

 

هل العالم الإسلامي يحكمه الإسلام ؟! هل العالم الإسلامي يملك حرّيته وحقوقه وأمانيه ، أم أنه في غياب وغيبوبة ؟! امتلأت ساحات دار الإسلام بدُعاة الحداثة والعلمانية والديمقراطية ، والتفكيكية والأسلوبية ، ومبادئ شتى في الفكر والأدب والسياسة والاقتصاد والاجتماع ، ومبادئ شتى غزت العالم الإسلامي بقوَّة ، حتى ملأت الساحات وملأت العقول والقلوب ، وانحرف كثير من المسلمين عن إسلامهم ، ونهض منهم من انقلب على الإسلام وأخذ يحاربه .
واستطاعت قوى العالم النصْراني واليهودي أن تقيم في قلب دار الإسلام الممزّقة رؤوساً تحكمها بعد أن فُتِنتْ واشتدت فتنتُها ، وانحرفت واشتد انحرافها ، فأدَّت المهمة المرجوّة منها ، حتى إذا انتهى هذا الدور لها ، أو تغيّرت مصالح تلك الدول الكبرى ، انقضَّتْ عليها واستبدلت بها غيرها ، أكثر مواءمة لمصالحها الإجرامية يستبدلون مجرماً بمجرم ، وشقياً بشقي ...! والمسلمـون في غيبوبة وغياب !
نعود إلى أحداث تونس ومصر والجزائر واليمن والبحرين والعراق ، لا لندرس تفصيلات أحداثها ، ولكن لنتساءَل بعض التساؤلات لأهميتها .

 

لا نشك أن الحكام الذين قامت الثورات عليهم ظالمون مفسدون فاسدون ، ظلموا وأَفسدوا كثيراً وزمناً طويلاً ، ولعلّ ما حدث كان عقاباً من الله عليهم ، عقاباً في الدنيا ، ولهم في الآخرة عقاب أشد !
ولكننا نسأل بعض الأسئلة التي تدفعها هذه الأحداث ! لقد صبر الناس على حكم زين العابدين بن علي وظلمه ومحاربته لله ورسوله ولدينه ثلاثة وعشرين عاماً ، فما الذي حرّكهم في هذه اللحظة حتى قاموا ينادون بطلب الحرية والعدالة والمساواة وإشباع البطون ، ومعالجة البطالة وغير ذلك . كلها مطالب مشروعة ، ولكن لم يكن بينها صوت الإسلام ولا الدفاع عن دينه ونصرته ونصرة ربهم ! كان الصوت المدوّي هو صوت الديمقراطية والمناداة بها ، ولم نسمع الغضبة لله ورسوله !

 

ونسأل نفس السؤال حول ما جرى في مصر . فلقد استمرّ الظلم والفساد زمناً غير قليل ، وما ضجّ الناس ولا ثاروا ، فلماذا كانت الثورة في هذا الوقت بالذات ، وما الذي حرّك الملايين وجمعهم ودفعهم إلى ميدان التحرير ، ليطالبوا بالحرية والديمقراطية وإسقاط النظام ، نفس شعارات تونس ونداءاتها .
وصبر الناس على ظلم الحكم في ليبيا اثنتين وأربعين سنة ، فكيف حدث أن تحرّكوا الآن ، جماهير كثيرة يطالبون بنفس المطالب التي طالبت بها الجماهير في تونس والجماهير في مصر : ديمقراطية ، إسقاط النظام ... الخ .

 

وترد الأسئلة نفسها حول ما جرى في اليمن والبحرين والعراق وغيرها : الديمقراطية والحرّية ، وإسقاط النظام ، حتى تشابهـت المصطلحات : " ارحـل " ! " ارحل " !
وكيف تسنّى أن تقوم هذه الثورات كلها في وقت واحد تقريباً في عدد غير قليل من العالم العربي ؟! وتظل توقّعات بعض وسائل الإعلام توحي بامتداد هذه الثورات إلى أقطار أخرى ؟!
ومن خلال هذه الثورات تراجعت نداءات الإسلام ، وظهرت ، لو ظهرت ، ضعيفة خافتة ، تعلن تبرؤها من السعي للحكم ، ومنهم من نادى ، أو دعم النداء ، إلى قيام دولة مدنية لا دينيّة ، دولة وطنية يتساوى فيها الجميع مهما كانت معتقداتهم بالحقوق والواجبات ، وتنطلق شعارات من خلال ذلك مخالفة صريحة لقواعد الإسلام ولدين الله .
لقد مثَّلت هذه الدعوات انقلاباً كبيراًُ عما كان عليه وضع العالم الإسلامي ، حين كانت الرغبة والأماني والشعارات تدور حول الحكم بما أَنزل الله ، الحكم بالإسلام ! لقد تغير ذلك . لقد كان الدستور في سوريا ينصّ على أن " دين الدولة الإسلام " وبقدرة عجيبة تغير نصّ الدستور مع وجود الدعاة المسلمين في البرلمان السوري ، تغير إلى أن أصبح " الإسلام أحد مصادر التشريع " أو ما يشبه ذلك . والله يقول :( ... ۚ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) [ المائدة :44]
هنالك تحوّل كبير في الرأي العام في العالم الإسلامي باتجاه المناداة بالعلمانية والديمقراطية ، مع ظهور حركات معادية للإسلام صراحة مثل تقرير مؤسسة راند الأخير الذي دعا إلى إسلام ديمقراطي يتناسب مع القيم الغربيّة العلمانية ، ومع الجرأة بالقول إن القرآن الكريم لم يعد يصلح اليوم ، والسنة متضاربة لا تصلح كذلك ، ثم الجرأة على تحريف دين الله والافتراء على الله ، ويدعون إلى تصفية الأصوليين المسلمين ودعم المعتدلين والمجددين بالاتجاه الغربي .
وأخذت تظهر قوى أخرى تتفرّغ لمحاربة الإسلام علانية وبجرأة لم تكن تعهد من قبل ، مثل زعيم حزب الحرّية الهولندي "خيرت فليدز" الذي أخذ يدعو إلى تكوين حلف يجمع شمل القوى المعادية للإسلام في تحالف دوليّ : أسماه : " التحالف الدوليّ من أجل الحرّية " . ووضع خيرت فيلدز سيناريو لفلم نشره في كل الدول الأوروبية والغربية يُدعى " فتنة " ! ويتناول خطر الإسلام وتعاليم القرآن " . ([1])
يضاف إلى ذلك حركات التنصير التي كثرت وامتدّت في الأرض وفي العالم الإسلامي ، تدعو إلى النصرانية . ولقد كان أحد قرارات مؤتمر كبير للتنصير عقد في كولورادوا في أَمريكا تحويل جميع مسلمي العالم إلى النصرانيّة .

 

وكذلك حركة تدعو إلى تقسيم العالم الإسلامي وتحطيمه وتفتيته ، حتى كأنَّ التقسيم الحالي لم يعد كافياً في نظرهم ، وذلك هو مخطط الأمريكي الصهيوني : "برنارد لويس " لتفتيت العالم الإسلامي .
وفي مقابلة أجرتها وكالة الإعلام مع " لويس " في 20/5/2005م قال : " إن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم . وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمّر الحضارات وتقوّض المجتمعات . ولذلك فإن الحلّ السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم وتدمير ثقافتهم الدينية والاجتماعية وتطبيقاتها . وفي حالة قيام أمريكا بهذا الدور فإن عليها أن تستفيد من التجربة البريطانية والفرنسية في استعمار المنطقة لاجتناب المواقف السلبية والأخطاء التي ارتكبتها الدولتان . إنه من الضروري إعادة تقسيم الأقطار العربية والإسلامية إلى وحدات عشائرية وطائفية ، ولا داعي لمراعاة خواطرهم أو التأثر بانفعالاتهم وردود الأفعال عندهم ... ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية ، وخلال هذا الاستعمار الجديد لا مانع أن تقوم أمريكا بالضغط على قياداتهم الإسلامية ـ دون مجاملة ولا لبس ولا هوادة ، ليخلصوا شعوبهم من المعتقدات الإسلامية الفاسدة ، ولذلك يجب تضييق الخناق على هذه الشعوب ومحاصرتها ، واستثمار التناقضات العرقية ، والعصبيات القبلية والطائفية فيها ، قبل أن تغزو أمريكا وأوروبا لتدمّر الحضارة فيها " . أين المسلمون من هذه الحرب المعلنة ؟! إنهم في " غياب وغيبوبة " .
أليس هذا الذي يجري في العالم الإسلامي خطوة خطوة بكيد وتخطيط وعزم؟! أليس هذا يتم في العالم الإسلامي منذ زمن طويل ، والمسلمون في "غيبوبة وغياب "، والأعداء في عزمة ونشاط ، وصحوة وامتداد ؟!
ولقد حقّق العالم الغربي ـ النصرانيّ والصهيوني ـ كثيراً من أهدافه وخطواته المنهجية ، خلال هذه السنوات الطويلة ، حقّقها بنجاح كبير وكيد كبير . فلقد انتشرت في العالم الإسلامي الخمور ، وتكشّفت كثيرٌ من النساء ، وانتشرت الفاحشة ، وأصبح للعلمانية والحداثة جنود من المنتسبين إلى الإسلام ، يدعون لها بعزيمة ومكر ، وأصبح للديمقراطية دعاة كثيرون ، بل أصبحت الديمقراطية الغربية شعاراً يرفعه كثير من الدعاة المسلمين ، الذين لم يجدوا حماية لهم من مجتمعاتهم ، فكأنّهم لجؤوا إلى الغرب يتلمّسون منه ومن مبادئه العون والحماية ، ويعطونه الولاء والتبعية . ومما ساعد على ذلك كثيراً تطبيق بعض مبادئ الديمقراطية الغربية كتكوين الأحزاب التي فتتت الأمة ، والبرلمانات التي لم تحمل معنى إيمانيّاً ربّانياً ، ولكن حملت صورة التقليد والتبعية ، فزادت الأمة انقساماً وفرقة وخلافاً . ومن خلال ذلك غابت معانٍ كثيرةٌ من قواعد الإسلام ، وغابت القاعدة الرئيسة في الإسلام ، ألا وهي الولاء الأول لله والعبوديـة الكاملة لله دون شرك ، والتزام النهج الرباني ـ قرآناً وسنة ولغة عربيّة ـ في جميع نواحي الحياة إيماناً وممارسة وخشوعاً . ودولة وحكومة . ولقد كان من أهم خطوات العالم النصراني اليهودي إقامة دولة لليهود في قلب العالم الإسلامي باتفاق دوليّ وتعاون دوليّ ، اتفاق وتعاون على إقامتها وحمايتها وتزويدها بجميع أَسباب القوة من عتاد وسلاح ، وتوجيه وحماية مكشوفة في صورة علنيّة ، لتكون هذه الدولة اليهودية قاعدة رئيسة للعالم الغربي ـ النصراني واليهودي ـ في حربهم على الإسلام والمسلمين ، وتدمير قواهم كلها ، على زمن طويل يحمل جميع أنواع الفواجع والمآسي والتدمير . ولقد تسلَّلت قوى متعددة من اليهود إلى العالم الإسلامي.

 

كل اعتداءات دولة اليهود على الفلسطينيين بصورة وحشية تتجاوزها القوى الدولية وتبرّىُ ساحة اليهود ، بصورة فيها محاباة مكشوفة ، مع تجاوز كل القوانين الدولية . وفي الوقت نفسه ترتكب تلك القوى الغربيّة نفسها أقسى أنواع الإِبادة والظلم والعدوان ، ولا أحد يحاسبها .
انظر ماذا فعلت أمريكا في العراق ، فقد هدمتها وقتلت مليوناً من أبنائها ، وأثارت الفتن فيها تحت شعار الديمقراطية . وانظر ماذا فعلت في أفغانستان ، وكيف تُغير طائراتها دون طيار على قبائل باكستان دون إذن من دولة باكستان ، أو بإذن سرّيّ . وانظر ماذا يجري في الصومال ، واليمن ، وليبيا ، والبحرين ، وغيرها حيث تعمل هذه الدول الغربية بأيدٍ مخفيّة ، ووسائل سرّية ، مَهَرَتْ بها مع طول الزمن والتجارب.

 

عندما ننظر إلى هذه الأحداث كلها ونتابع تصريحات القوى الغربيّة حول هذه الأحداث ، تنكشف لنا سياسة العالم الغربي النصراني واليهودي ضد العالم الإسلامي على زمن طويل ، وعزم وإصرار ، ووحشية وتدمير ، وقتل وإبادة ، سياسة لم تتغيّر منذ فواجع الحروب الصليبية ، ومنذ عمليات إبادة المسلمين وطردهم من إسبانيا ، وإنما قد يتغيّر الأسلوب ويتجدّد ! ومنذ إخراج المسلمين من فلسطين وإقامة دولة اليهود .
هل المسلمون يعون حقيقة هذه الحرب ؟! إننا نرى أن العلمانية والحداثة والديمقراطية وسائر هذه المبادئ مازالت تمتد وتتسع في أرض المسلمين وديارهم ، ومازالت قوى كثيرة منهم تظهر وتحتل مراكز رئيسة في الإعلام ومنابر الفكر وساحات التوجيه . انظر إلى الصحف والمجلات في العالم الإسلامي لتجد صور النساء الكاسيات العاريات .

 

إن هذه الحرب العدوانية الإجرامية مازالت مستمرّة ، وستظل مستمرة على سنن لله ثابتة وتمضي على الغافلين النائمين ، الغائبين المغيّبين حتى يستيقظوا ويُفيقوا من سباتهم ، وينهضوا لأماناتهم ، فستظل سنن الله الثابتة ماضية عليهم ، ولكنها سنن لله ثابتة تنصر المؤمنين وتعز جنده العاملين اليقظين .
ونعود لهذه الثورات التي هبّت في بعض الأقطار العربيّة ، لنتساءل من الذي أطلق عليها اسم " ثورة " ؟! هل هم الشباب أنفسهم أم الإعلام أم جهات أخرى في أقطارهم ؟!
نعم ! إنها ثورة ، لأنها انطلقت دون أن تحمل نهجاً محدّداً ، ولكن حملت طلبات محدّدة أخذت تتزايد مع الأيام . وكان هنالك شبه إجماع أو تقليد بين الأقطار العربية وثوراتها . فكلها أخذت تنادي بإسقاط النظام ، ورفض الحوار ، الحرية ، إزالة الفساد ، ورفع الظلم .. الخ ، طلبات وأهداف كريمة مشروعة ، ولكن يظل التساؤل كيف التقت هذه الأهداف كلها في جميع هذه الثورات ، كأنها مبادرة من مصدر واحد وفي وقت واحد أو أوقات متقاربة ؟!!

 

إنها ظاهرة لم يعهدها العالم العربيّ على هذه الصورة وهذا الامتداد وهذا التشابه ! وإنها ظاهرة تكلف كلَّ قطر قامت فيه ثورة خسائرَ كبيرة ، ولكنها إن نجحت في إزالة الفساد وإشاعة العدل الحق والحرية الصادقة فلعل هذا يعوّض ذاك إذا كان ذلك قائماً على أساس الإسلام ودعوته الواضحة الجريئة .
نحاول أن نَحْصُرَ الأقطار التي هبت فيها هذه الثورات حتى الآن : تونس ، مصر ، ليبيا ، الجزائر ، العراق ، البحرين ، عُمان ، اليمن ، سوريا ، الأردن ، فماذا كان موقف العالم الغربي الظاهري من هذه الثورة الواحدة في شكلها وشعاراتها وأساليبها ؟ الأقطار المختلفة ؟! هل كان موقفهم الظاهري المعلن واحداً ؟! الجواب : قطعاً لا ! كانت المواقف مختلفة ظاهرياً ، ولكنها كلها متحدة باطنياً في حماية مصالحها الكثيرة في هذه الأقطار ، وفي كل قطر لها مصالح ولها علاقات ولها مواقف ترسمها على ضوء مصالحها .
قد تخفى علينا الآن كثير من الأمور المتعلّقة بهذه الثورات وما ستكشف عنه الأحداث ، إلا أن هنالك حقائق لا يمكن إغفالها ، وأولها هي أن العالم الغربيّ له مصالحه وله مواقفه وسياسته ! وأن في العالم العربي ظلماً واستبداداً وخنقاً !

 

هل يمكن أن نقول إن ما يجري كله يدور حول مشروع الشرق الأوسط الكبير الجديد ، المشروع الذي تغنّى به الغرب العلماني النصراني اليهودي سنين طويلة ، والذي بدأ التغني به مع أوائل القرن العشرين أو قبل ذلك . والذي يهدف إلى تغيير معالم ما يسمونه بالشرق الأوسط ، وبصورة رئيسة إزاحة الإسلام من واقعة وفرض الديمقراطية الوثنية الغربيَّة ؟! أي فرض الحياة الغربيّة بكل أشكالها ومعانيها في العالم الإسلامي تحت شعارات الديمقراطية والحرّية والمساواة والعدالة ، ثم لا تكون إلا حرية ممسوخة وعدالة مزيفة ومساواة لا تتجاوز الشعار ! كما قال بوش : " من لم يكن معنا فهو عدوّنا " ، فأين الحرّية ؟!
وقد ينجحون في ذلك ، كما نجحوا في غيره سابقاً ، مادام المسلمون غافلين نائمين ، في غياب وغيبوبة . ولن يكون العذاب والعقاب على المسلمين هو نجاح الغرب في ذلك ، بل الهم الأكبر هو عند الوقوف بين يدي الله للحساب يوم القيامة :( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ )  [ الأنبياء :47]

 

مصدر الالتباس كله عدم ظهور صوت الإسلام الحق ، صوت دين الله كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم جريئاً جليّاً مدوّياً . فأي حرّية أو عدالة أو مساواة تقوم بغير الإسلام ؟!
لا شك أن الدعوة الإسلامية في الأرض اليوم لم تعرض الإسلام الحق كما أنزله الله ، ولعل أهم أسباب ذلك أن الدعوة الإسلامية كانت تمثَلها أحزاب وجماعات تلتقي وتتنافر ، ويغلب التنافر على التلاقي ، إضافة لما قد يوجد في الصفوف من خلل وضعف ، وتضارب واختلاف ونزاع ، واضطراب معاني الأخوة الإسلامية وممارستها ، وعدم وجود نهج مدروس عملي للممارسة في الواقع ، لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء . وتغلب العصبية الجاهلية أحياناً على صورة إقليمية أو قومية أو وطنية تذوب من خلالها كثير من معاني الإسلام في ميدان التطبيق في الواقع . إن الفرقة بين الحركات الإسلامية وتعددها لهما أوضح مخالفة للإسلام ، للكتاب والسنّة . أَين الأمة المسلمة الواحدة صفّاً واحداً كالبنيان المرصوص ، الأمة التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )[ آل عمران :110]
لو نظرنا في الواقع اليوم : أُزيل حكم حسني مبارك من مصر ، وحكم زين العابدين بن علي من تونس ، ولو أُزيل حكم سائر الطغاة ، فهل استقرّ هذا البلد أو ذاك ؟! وهل حُلّت مشكلات تونس ومشكلات مصر ومشكلات غيرها ؟!

 

كلا ! لم تحلَّ مشكلات أي قطر ! إن وجود الحكام الطغاة المستبدين كان عقاباً من الله سبحانه وتعالى لخروج الأمة عن نهج القرآن والسنة وعن طاعة الله في أمور الحياة كلها . ستجد المؤمنين هنا وهناك ، والمصلين هنا وهناك ، والصائمين والذين يؤدون شعائر الحج ، ستجد ذلك كله عند فئة من الناس ، وتجد الفئات الواسعة التي لا تقوم بالصلاة ولا الصيام ولا الحج ، وستجد نماذج أخرى متعددة ، ولكن الواقع العام في الحكم ونظامه ، والنهج السياسي والاقتصادي والثقافي والفكري لا يتَّبع نهج الإسلام كمنهج عام . فوجود الحاكم المستبد الظالم الذي لا يعدل ولا يؤدي الحقوق والسكوت عنه عشرات السنين لدليل قاطع على وجود خلل كبير ، خلل لا أعتقد أنه يعالج بما يسمّى " الثورة " فقط ، وإنما لا بد من منهج متكامل للإصلاح ، لإصلاح الإنسان الفرد ، والأسرة ، والمدرسة ، وسائر ساحات الأمة . وذلك المنهج الذي يصلح لكل زمان ومكان ، ولكل حال وبيئة ، هو منهاج الله ـ قرآناً وسنة ولغة عربية ـ ، مع وعي الواقع ، كل واقع ، من خلال منهاج الله .

 

إن المسؤولية الأولى تقع على دعاة الإسلام وعلمائهم وأولي الأمر ، فهم الذين كلفهم الله بأمر هذا الدين والدعوة المستمرّة إليه ، الدعوة التي لا تتوقف ، فهي أساس كل عمل بعد ذلك ، وهذه الدعوة المستمرّة هي :
وجوب تبليغ رسالة الله إلى الناس كافّة كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم تبليغاً منهجيّاً ، وتعهدهم عليها تعهّداً منهجيّاً لا يتوقف ، حتى تكون كلمة الله هي العليا .
وهذه القاعدة الرئيسة عليها تجتمع كلمة الأمة لتكون أساس الإصلاح ، وأساس الجهاد في سبيل الله ، وأساس بناء الجيل المؤمن ، وأساس بناء الأمة المسلمة الواحدة صفّاً كالبنيان المرصوص ، كل ذلك يقوم على نهج محدد وخطة مفصلة .

 

وانظر إلى العالم الإسلامي الممتد المليء بالدعاة والحركات الإسلامية ، وقد منَّ الله عليهم بأن مدّ لهم الزمن ليعملوا من خلال ابتلاء وتمحيص ، وقد مضَت عشرات السنين ، وربما المئات ، فأين الجنى وأين الثمار ؟! وأين الأمة المسلمة الواحدة التي يُفترض أنهم بنوها ، والتي سيحاسَبون عليها بين يدي الله يوم القيامة ، يوم الحساب ؟!

 

( وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ )   [ المؤمنون :52]
( إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ )   [ الأنبياء :92]
( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [ آل عمران :144]
وكذلك قوله سبحانه وتعالى :( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ )  [ الصف :4]
ويكون الله سبحانه وتعالى هو الملجأ الحق للمؤمنين كلما حزب الأمر أو ادلهمت الخطوب . إنه الملجأ الحق القوي القادر على كل شيء ، الملجأ الواسع الرحيم الغفور :( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ )    [ التوبة :118]
وكذلك قوله سبحانه وتعالى :( اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ۚ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ ) [ الشورى :47]

 

هذا هو الملجأ الحق للمؤمنين في كل حال ، لا ملجأ لهم سواه . ولكن الواقع اليوم يكشف لنا صورة أخرى . فإذا اشتد الأمر على المسلمين ونزلت بهم المصائب صرخوا يا أمريكا ! يا أوروبا ! يا روسيا ! يا مجلس الأمن ! يا هيئة الأمم المتحدة ! وأمثالها من القوى الدنيوية التي لا تقدّم ولا تؤخر أمام قضاء الله النافذ وقدره الغالب وحكمته البالغة . وهذه نماذج من صراخنا في واقعنا :
نادوا : " فلا دينٌ  يفرّقنا " ! لسان الضاد يجمعنا !
وكذلك :
 
حَتَّـى إذا حَمِـي الوَطيـسُ وجَـدّ كــلّ
الـجــد لا نـلـقـى مـظـنــة مـجـهــلِ
صَرَخُـوا ونَـادَوْا يـا شُعُـوبُ تكلَّمـي
يـا مَجْـلـسَ الأَمْــنِ العَـزيـز فأقْـبِـلِ
يــا دَارَ أَوْروبَّــا حَنـانَـكِ ! أَشْفـقـي
يــا دارَ أمْريـكـا أطـلّــي واعْـجَـلـي
يــا رُوسِـيـا ! هــلاّ نظـرتُـمْ حـالَـنـا
شعـبـاً يُـذَبَّـحُ بـالـمـدَى والمـقْـصَـلِ
قلْـنـا كـمـا شِئْـتُـم : نُـريْـدُ سَـلامَـةً
ومُـفَـاوَضـاتٍ فـــي أَمَـــانٍ أَعْـــدَلِ
قُلـتُـمْ لـنـا نـامـوا ! فنـمـنـا ! قُـلْـتُـمُ
قـومـوا فقـمـنـا ! طـاعــةَ المـتـذَلِّـلِ
سِرْنـا كمـا شِئتـمْ ! وقَصَّفنـا السـلا
حَ فهل نرى بعـض الوفـاء الأجمـلِ
اليـومَ نَجْنـي مِــنْ حَـصَـادِ جَريـمـةٍ
لــمَّـــا رَكَــنّـــا لـلــعَــدوّ الأحْــيَـــلِ
والله قَــــال رُوَيْــدَكُــمْ لا تَـرْكَـنــوا
للـظّـالـمـيـن ولا لــبـــاغٍ أجـــهـــلِ
هــذا الـصِّـراطُ المُسْتَقـيـمُ أمـامَـكُـمْ
لا يـسـتـوي وسَـبـيـلُ قـــوم مُـيّــلِ
يتنَـزَّلُ النصْـر العزيـز علـى الــذي
ن مَضَوا على هذا الصِـراط الأَكمـلِ
لَجَـؤوا إِلـى الله العَـزيـز وأسْلَـمُـوا
لله أمـرَهُــمُ عــلــى نَــهْــجٍ جَــلــي
أوفَـــوا بَـعـهْـدِ الله حــــقَّ أمــانــةٍ
وعـبــادةٍ وخِــلافــةٍ لــــم تُـجْـهَــلِ
وعـمـارةٍ لـــلأرضِ بـالإيـمـان وال
تَّوحـيـد عــزمَ الـصـادق المتَـرَسِّـلِ
صَـفّـاً يُـــرَصُّ ! ولا يُـفَــرِّقُ أُمَّـــةً
تْمضِي عَلـى صِـدْق الـوَلاء الأكمـلِ
صَفّـاً يُــرَصُّ ! ولا يُـفـرّق عَـزْمَـه
شُـعَـبُ الــوَلاءِ ولا شَـتـاتُ الـعُــذَّلِ
صَـفـاً يُـــرَصّ عَـلــى وَلاءٍ واحِـــدٍ
لله فُـصِّــل فـــي الـكـتـابِ الـمُـنْـزَلِ
عَـهْـداً ومِيثـاقـاً أَبَــرَّ مـــع الـتُّـقـى
يَمْضـي علـى عـزم الوفـاء الأجْمـلِ
إن لـم تَقُـمْ فـي الأرضِ أُمَّـةَ أحـمـدٍ
خَابَ الرَّجاءُ وضَاعَ كُلُّ مُؤَمَّلِ([2])

 

فالمسلمون لم يلجئوا في محنهم إلى ربهم الحق الذي وعدهم بالنصر والنصر من عنده ، ولكن لجأ كل منهم إلى قوة مادية دنيوية يحسبها قادرة على توفير حمايته ونجاته ، فمن عصبيات جاهليـة ، إلى دول كبرى مثل فرنسا وانكلترا وإيطاليا وألمانيا ، وأمريكا وروسيا وغيرها ، فتشتَّت قوى الأمة وتمزّقت بعد أن تمزّقت بالحدود التي أقامها لها أعداء الله . ومنهم من لجأ إلى الفكر المعادي للإسلام وهو داعية مسلم اشتُهِر وعرف بالإسلام ، ولكنه لا يدعو إلى الإسلام . ففي مؤتمر إسلامي كبير في استوكهولم تحدّث داعية معروف كل وقته عن الديمقراطية ، وفي مؤتمر كبير في باريس تحدث كذلك داعية مسلم عن " العلمانية " وأنها مساوية للإسلام ، وداعية آخر كبير يدعو إلى كل ذلك في القنوات الفضائية ، وهكذا تَشَتَّت الكلمة والرؤية والفكر ، وابتعد ذلك عن الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه ، ودعاة آخرون يدعون إلى الديمقراطية ، وفي معظم هذه الحالات يغيب صوت الإسلام والدعوة إليه ، ويختفي بعض الدعاة المسلمين وراء شعاراتهم الجديدة ! كأنه ليس في الإسلام ما ينادون به من شعارات العدالة والمساواة والحرية التي ينادون بها مع الديمقراطية . ولكنها في الإسلام عدالة أمينة ، ومساواة صادقة ، وحرّية منضبطة بالحق ، بالعدالة وبالمساواة وبحقوق الإنسان التي شرعها الله .
أولئك ينادون مع شعاراتهم بحقوق الإنسان ، ولكنها حقوق بشرية تظهر وتختفي حسب المصالح والأهواء والقوى ، أما في الإسلام فحقوق الإنسان شرعها الله سبحانه وتعالى وجعلها جزءاً من دينه ، تحميها شريعة الله كلها وعدالته ومساواته وحريته المنضَبِطة . حقوق الإنسان في الإسلام حقوق ربّانية ، والوفاء بها إيمان وتقوى ، وعدم الوفاء بها تناقض مع الإيمان والتقوى ، ويدور الحساب في سنن الله الماضية في الدنيا ويوم الحساب يوم القيامة يقوم الحساب على موازين قسط .

 

العالم الغربي النصرانيّ واليهودي يجهر بعدائه للإسلام ودعوته ضده ، ويجهر بمبادئه العلمانية الديمقراطية المعزولة عن أي تصور إيماني ، ويبذل ماله وجهده ويقيم مؤسساته ويطلق دعاته من أجل ذلك ، يجهرون بباطلهم بقوة وجرأة ، والمسلمون لا يجهرون بالحق ، بالإسلام ، ولا يبلّغون رسالته بلاغاً منهجيّاً وتعهّداً منهجيّاً كما أمرهم الله . ومن الدعاة المسلمين من أخذ يدعو إلى دولة مدنيّة لا دينيّة ، وإلى المساواة المطلقة بين مختلف المذاهب والديانات ، والله سبحانه وتعالى لا يساوي هذه المساواة ولا يأمر عباده المؤمنين أن يساووا هذه المساواة . إن الدين عند الله هو الإِسلام ، دين جميع الأنبياء والرسل ، لا دين عند الله سواه ، ولا عند المؤمنين . وقد ثبَّت القرآن الكريم وثبّتت السنّة هذه الأسس والقواعد ، وجاء تطبيق الرسول صلى الله عليه وسلم وتطبيق الخلفاء الراشدين على هذا النحو من الوضوح والصدق والأمانة والجرأة والحكمة . إنها الأمانة المطلوبة لمستقبل البشرية كلها ، حتى تُسَدّ منافذ الشيطان ومنافذ الفتن ، وحتى يتبيّن للناس كافّـة أن هنالك صراطاً مستقيماً واحداً فقط ، لا صراط سواه ، واتباعه وحده فيه النجاة من النار يوم القيامة ، وإخفاء هذه الحقيقة أكبر فتنة وفسـاد في الأرض ، ودفع للناس إلى هلاكهم وسقوطهم حطب جهنّم ! إن الإسلام دين الله الحق هو الرحمة الواسعة من الله لعباده ، فكيف يُعقل حجز هذه الرحمة الواسعة ومنعها عن الناس بادعاء شعارات أخرى ومذاهب أخرى وديانات أخرى . إن تبليغ هذا الدين الحق إلى الناس كافّة كما أُنْزِلَ على محمد صلى الله عليه وسلم تبليغاً منهجيّاً ، وتعهدهم عليه تعهّداً منهجيّاً ، حتى تكون كلمة الله هي العليا ، هو أول الجهاد الحق في سبيل الله وأول الصراط المستقيم ، لإِنقاذ البشرية كلها . إنها الأمانة التي وضعها الله في عنق جميع الأنبياء والمرسلين ، وفي خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم في الأمة المسلمة الواحدة التي أخرجها الله لتكون خير أمة أُخرِجت للناس .

 

ولا يستقيم هذا الأمر ولا تستقيم دعوة الإسلام ، إِلّا بالجرأة الواعية الأمينة ، والوضوح الحقّ ، والثبات عليه ، والبذل من أجله على نهج جليّ وبذل غني واستقامة صادقة ، لا تنازل فيها ولا إخفاء لأي شيء من هذا الدين العظيم ـ قرآناً وسنة ولغة عربيّة ـ ، يُبلَّغ للناس كما أُنزِل ويُجْهر به :
( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ۖ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ )  [ الأحزاب :67]
وكذلك :( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا)[ الأحزاب :39]
( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ )[ الحجر :94ـ95]
وكذلك : ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) [ فصلت :33]
وكذلك : ( وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ ۖ وَادْعُ إِلَىٰ رَبِّكَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )[ القصص :87]
هذه هي الدعوة الإسلامية الصادقة الواعية تقوم أولاً على صدق الإيمان والتوحيد ، وعلى صدق العلم بمنهاج الله ـ قرآناً وسنة ولغة عربية ـ وسلامة وعي الواقع من خلال منهاج الله بعد ردّه إليه ! وإنها أمر من عند الله وتكليف منه سبحانه وتعالى عما يشركون . وهو الذي أمر بها ، وهو الذي رسم دربها وغايتها ، وهو الذي بيّن وسائلها !
إنَّ الفتنة الكبرى هي في الشعارات المدوّية والزخارف الكاذبة المضللة من أمثال الحرّية والعدالة والمساواة من خلال الديمقراطية الوثنية الكاذبة حيث لا حرية ولا عدالة ولا مساواة ، إن الغرب العلماني بما يخفيه أحياناً من عصبيات دينية للنصرانية واليهودية ، له مطامع وأهداف في العالم الإسلامي ، مطامع جشعة ممتدة منذ قرون طويلة ، يحاول إخفاء هذه المطامع ببعض الشعارات المخدرة ، والزخارف المضلّة ، حتى يستسلم لها الناس وهم مخدّرون ، وتزيدهم الشهوات المتفجرة خدراً على خدر ، ووهناً على وهن ، حتى لا يعود الناس قادرين على صدق الوعي ولا حقّ المقاومة ، وتبقى الطبقة الرأسمالية تنهب المال وتنعم بالثروات ، وعامة الناس في ظروف لا يُحسدون عليها ، ولكن رضوا بها وهم مخدّرون .
الديمقراطية التي يَدْعُون إليها هي الخدر الرئيس الذي ابْتَدعه الرأسماليون ليبسطوا نفوذهم واستغلالهم ومظالمهم على الناس ، والناس راضون مخدَّرون بذلك . إن أوسع ظلمٍ عرفته البشرية في الأرض هو ما ترتكبه النظم الرأسمالية من نهب وبطش وقتل وتدمير لا رحمة معه أبداً . يُسخّر العلم كله والصناعة كلها لتوفير وسائل البطش والعدوان ، والكذب والخداع والتمويه والتضليل .

 

أمام هذه المفاسد والمظالم في الأرض ، بعث الله للناس رسلاً يبلّغون رسالات الله لصدّ هذه المفاسد والمظالم ، ولنشر الحق والعدل والحرّية المنضبطة والمساواة الأمينة ، وخُُتم الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته الخاتمة . فبلّغ وأدّى الأمانة وترك الناس على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ، ثم أصبحت المسؤولية بعد النبيّ الخاتم في تلامذته الأبرار الذين حملوا الرسالة بعده : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ) [ آل عمران :144]
وتمتد هذه المسؤولية العظيمة مع الزمن كله لتكون أمانة في عنق الأمة المسلمة الواحدة التي أخرجت للناس لتكون خير أمة : ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ۚ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ) [ آل عمران :110]
وما كانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس إلا بتبليغ رسالة الله إلى الناس كافة تبليغاً منهجيّاً كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم ، وتعهّدهم عليها تعهّداً منهجياً حتى تكون كلمة الله هي العليا . وليُسألَنّ المؤمنون عن هذه الأمانة ويحاسَبون عليها بين يدي الله يوم القيامة ، فتبليغ هذه الرسالة وتعهّد الناس عليها هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله .
فلينهض المؤمنون إلى رسالتهم وأمانتهم قبل يوم الحساب ، وقبل أن تمضي عليهم سنن الله في الحياة الدنيا إن وَهَنوا وقصّروا وغفوا !

 

يميل بعض المسلمين إلى التنازل عن بعض مبادئ الإسلام المحكمة تحت ادعاء " التكتيك " وتجنب بطش المجرمين ، أو إلى تغيير بعض مبادئه . ونقول إن هذا لا يحلّ إلا بحق مسلم فرد واحد تعرّض للهلاك ، وليس لجماعة ولا لأمة أبداً . واستمع لآيات الله البيّنات : ( إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ . مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَٰكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )  [ النحل :105ـ106]

 

وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرهاً ، وجاء معتذراً إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية . وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك وابن جرير . ولكن يجوز للمسلم أن يأبى الإقرار لهم بذلك كما فعل بلال رضي الله عنه . والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أدى ذلك إلى قتله إن استطاع .
وجاء في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم ، فجاءوا به إلى ملكهم فقال له تنصَّر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي . فقال له : لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت . فقال : إذاً أقتلك . فقال : أنت وذاك . قال : فأُمر به فصلب وأمر الرماة فرموه قريباً من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ، ثم أمر به فأُنِزْل . ثم أمر بِقِدْر ، فأُحْمِيَتْ . وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر ، فإذا هو عظام يلوح ، وعرض عليه النصرانية فأبى ، فأُمِر به أن يلقى فيها ، فرفَع بالبكرة ليلقى فيها فبكى . فطمع منه ودعاه . فقال إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفـس تعذّب هذا العذاب في الله . قال الملك : فقبل رأسي وأنا أطلقك ! فقال : وتطلق معي جميع آسارى المسلمين ؟! قال : نعم ! فقبّل رأسه فأطلق معه جميع آسارى المسلمين عنده . فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حقّ على كل مسلم أن يُقبّل رأس عبد الله بن خذافة ، وأنا أبدأ ، فقام وقبل رأسه ، رضي الله عنهما .

 

بمثل هذا الجيل الذي ثبت على الحق انتصر دين الله وعزّ وساد ، هذا الجيل الذي رباه محمد صلى الله عليه وسلم . ونحن اليوم بحاجة إلى جيل مؤمن كإيمان ذلك الجيل ، إلى جيل لا يلجـأ إلى التنـازلات والتحريفات والانحـرافات تحت حجـة " التكتيـك " و" المناورة " ، وخداع أهل الشرك !
إن أعداء الله ، مهما تنازلت لهم ، ومهما تذللت لهم ، فلن يرضوا عنك أبداً إلا أن تكفر ! وإن أظهروا ليناً أو عطفاً فإنما هو لين ظاهري ليستدرجوك إلى تنازل بعد تنازل ، وفتنة بعد فتنة .
درب النصر والعزّة جليّ ، بيّنه الله وفصّله . فذاك أو الذلة والهوان ! ومن أهم خصائص هذا الدرب إيثار الدار الآخرة على الدنيا ، دون أن تشغله الدنيا حتى تملأ هواه وقلبه وعقله ، ومن أهم خصائصه كذلك صفاء الإيمان والتوحيد وصدقهما عاطفة وعقلاً وممارسة في الواقع ، ومن أهم الخصائص أيضاً صدق العلم بمنهاج الله واللغة العربية ، ووعي الواقع من خلال منهاج الله بعد ردّه إليه ردّاً أميناً .
وإن كنا لا ننكر حق الشعوب على المناداة والمطالبة بحقوقها التي شرعها الله لها ، نعجب كيف أنه لم يهبَّ صوت ينادي بالإسلام ويدعو إليه ويغضب لما يعانيه العالم الإسلامي بعامة من تجاهل لدين الله أو تحريف أو تبديل بمبادئ بشرية .

 

أيها المسلمون فانهضوا لدين الله الحق وادعوا وجاهدوا واكسبوا رضاء الله بذلك عسى أن ينزل نصره ويرفع عنا الذلة والهوان .
وأؤكد في ختام هذا البحث أن العالم الغربي العلماني النصْراني اليهودي ، وقد أعطاه الله القوة والعلم والصناعة متفوّقاً على غيره لحكمة يعلمها الله وابتلاء منه لخلقه ، فإنّه طغى وظلم وخدع وكذب ، وملأ الأرض حروباً ظالمة ومآسي ممتدة ، وهذا العالم الغربي بهذه الخصائص رسم خطته ونهجه متعاونين على تدمير العالم الإسلامي وإزاحة الإسلام من طريقهم وفرض ما يزعمونه من ديمقراطية كاذبة ،  وهم ينهبون ثروات الشعوب كما ذكرنا ، هذا العالم الغربي قد بلغ نجاح خطته درجة عالية في إِفساد العالم الإسلامي وتمزيقه ، واليوم هم يمارسون خطوة متقدمة من خطتهم تلك ، تدور حول إحلال ما يسمونه " الديمقراطية " محلّ الإسلام ، وقد أصبحت الملايين في العالـم الإسلامي ينادون بالديمقراطية الغربية ، ويتناسون الإسلام ، دين الله الحق ، يفعلون ذلك وهم في ذلة وهوان ، يستجدون طغاة العالم الغربي أن يمنّ عليهم بظلمه واستعباده .

 

إنهم اليوم أصبحوا يجهرون بهدفهم هذا ، إحلال ديمقراطيتهم الظالمة محل الإسلام في العالم الإسلامي !
نسأل الله عفوه والنجاة ، والمدد والقوة ، وأن يبعث من بين المسلمين الغائبين الغافين أمة تصدق الله في دينها وإيمانها وبذلها في طاعته عسى أن يمن الله علينا بالنصر من عنده .
وكذلك لا بد من كلمة عن الديمقراطية التي ينادي بها الغرب العلماني الرأسمالي . فهذه الديمقراطية كان مبعثها وأصلها وانتماؤها إلى الوثنية اليونانية لتعْني بها أن الحكم للشعب وحده ، للشعب المعزول عن الإيمان بالله والدار الآخرة . ثم جاءت الرأسمالية الغربية فصاغت النظام الديمقراطي الغربي الحديث مع المحافظة على قاعدته الرئيسة أن الحكم للشعب معزولاً عن الإيمان بالله واليوم الآخر ، وأسموا ذلك " بالعلمانية " التي أصبحت فلسفة الغرب ونظام حياته . فصاغوا من ذلك النظام الديمقراطي ليعطوا الشعب فتات الحرية والعدالة والمساواة ، تكفي لتخدير الشعب بهذه المسكنات ، وبإطلاق الفاحشة واللواط والخمر وسائر وسائل التخدير ، حتى ينطلق الرأسماليون في نهب الثروات من شعوبهم ومن شعوب الأرض ، وليظلموا ويثيروا الحروب والفتن في الأرض كلها ، مما يسهّل لهم نهب الشعوب واستعبادهم وتخديرهم ! انظر إلى تاريخهم كله في الأرض كلها ، فهل تجد إلا المجازر والفواجع والتدمير ، واستخدام ما وهبهم الله من علم وصناعة وقوة في معصية الله وارتكاب أسوأ الحروب والمظالم . 
 
 
 
 
 

المراجع

al-oglaa.com

التصانيف

عقيدة إسلامية  عقيدة  مسائل اجتماعية   العلوم الاجتماعية