بعد يوم واحد فقط من رفض مجلس النواب إحالة خصخصة "الفوسفات" إلى النائب العام، قامت هيئة مكافحة الفساد بتحويل أول قضية فساد لـ"فوسفات ما بعد الخصخصة" إلى النائب العام.
هكذا تمّ تدمير آخر لبنة في سمعة مجلس النواب. ونضع المفارقة برسم التفكر عند الذين صوتوا، ضغطا أو قناعة، ضد الإحالة إلى النائب العام. وكما هو معلوم، فهيئة مكافحة الفساد كانت تحقق في عمل الشركة بعد الخصخصة، ولجنة مجلس النواب في عملية الخصخصة نفسها.
وما توصلت له هيئة مكافحة الفساد، وفي قضية واحدة فقط هي الشحن البحري، أن رئيس مجلس الإدارة كان يملك الشركة التي تقاول على النقل البحري للفوسفات، وبسعر أعلى من السعر العام، رغم وجود شركة كانت هي المختصة وتملك الفوسفات 30 % من أسهمها. وفارق السعر فقط في عام واحد (2010) بلغ أربعين مليون دينار. وما ينطبق على الشحن البحري سيكشف التحقيق أنه ينطبق على عمليات بيع الفوسفات نفسها، وعمليات أخرى مثل التجريف والتحميل والنقل. ويمكن أن نفترض، بلا مبالغة، أن النهب السنوي للفوسفات يبلغ مئات الملايين.
الفساد الهائل لما بعد الخصخصة يوضح ويؤكد فساد عملية الخصخصة التي صممت للاستيلاء على الشركة التي تحتكر بترول الأردن، وهو الفوسفات، من طرف شخص واحد هو رئيس مجلس الإدارة. وقد كانت وكالة استثمار بروناي مجرد غطاء جرى استخدامه لهذه العملية. ورغم أن فساد الفوسفات أوضح من الشمس، فإن كم الثروة الهائل الذي توفر، والذي ساهمت فيه الصدف بارتفاع السعر العالمي للفوسفات خلال فترة قصيرة إلى عشرة أضعاف سعره التقليدي، تم استثماره لحماية الرجل.
كان الأمل أن الربيع الأردني قد غير المناخ في مجلس النواب، لكن يوم الأربعاء كان صقيعا مؤلما صدمنا، وأبكى بعض الزملاء من أعضاء اللجنة الذين اعتقدوا فخورين أنهم قدموا الحقيقة لمجلس النواب والشعب الأردني.
تحويل الأسماء من وزراء وغير وزراء إلى النائب العام لا يعني اتهامهم، بل فتح تحقيق قضائي معهم. وهو ما يجب أن يكون، ما دام هؤلاء في مواقع المسؤولية في تلك المرحلة. وسمعنا الكثير من الملاحظات على مهنية التقرير، وقوة إسناده القانوني لتوجيه التهم، لكن كل منصف يشم رائحة فساد تزكم الأنوف في القضية برمتها. وقد يكون معظم الذين وردت أسماؤهم للتحويل إلى النائب العام غير متورطين، لكن بعضهم تهاون أو فرط بمسؤولياته، أو تواطأ حتى دون مكسب مالي. لكن ما فعلته أغلبية مجلس النواب أنها طوت القضية بالكامل بتصويتها الذي فوت فرصة عظيمة لإعلاء شأن الحق والحقيقة.
مع ذلك، لن يصح إلا الصحيح؛ فالفساد في الخصخصة وما بعدها مؤكد، وسنعمل بكل جهد لكي يفتح الادعاء العام تحقيقا بدون حاجة إلى توصية من مجلس النواب، فقد أمكن طمس الحقيقة لسنوات، لكنها لن تطمس للأبد.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جميل النمري صحافة