في أردن السبعينيات والثمانينيات، كنت ترى على طول طريق أوتوستراد عمان-الزرقاء، الأعمدة الإسمنتية العارية، تخرج منها قضبان الحديد البشعة فوق كل بيت تقريبا، تيمنا ببناء الطابق الثاني أو الثالث. ويبقى البناء كله من الخارج بلون الإسمنت غير "المطروش"، توفيرا للمال الذي يمكن إنفاقه على أمور أخرى أهم؛ فمنظر البناء ليس مهما أساسا، مثل كل شيء آخر ليس محل استخدام مباشر.
وفي القرى، فإن نفس النمط من البيوت كان يحل محل البيوت الحجرية أو الطينية القديمة ذات التكوين الرائع، والأكثر ألفة وإنسانية وجمالا مهما كانت بسيطة. ومن الداخل، كانت أبسط البيوت الطينية يتم طلاء جدرانها بالأبيض المائل للزرقة، وتزنيرها بنقوش معينة؛ وكذلك أطر الأبواب والنوافذ تؤطر بألوان ونقوش جميلة، وتزدان الجدران بالصور والأيقونات والمعلقات التي تضفي بهجة وحيوية.
أصحاب البيوت القديمة أنفسهم، أو أبناؤهم، استبدلوها بغرف إسمنتية بائسة بلا أي خصوصية، حتى باتت القرى تفقد أي ملامح خاصة بها، غير البقايا المتهدمة للبيوت القديمة. ومن الداخل، تنتصب الجدران عارية؛ فلا شيء سوى طقم كنبايات رخيص، بألوان كاتمة لغرفة الضيوف. وفي البيوت التي كنت أدخلها أثناء الحملة الانتخابية، لطالما حدقت في الجدران العارية، مفكرا في أن الأمر لا ينطوي على كلفة كبيرة لإضفاء شيء من البهجة على الجدران الخاوية. ولطالما فكرت في مهرجان الألوان للجدران والأبواب والبيوت في الأحياء الفقيرة في أميركا اللاتينية.
في عمان، كنت أمر في صحن البلد وراس العين، وأنظر إلى التلال التي تتدرج عليها البيوت بلون الإسمنت الرمادي أو "الطراشة" القديمة الباهتة، وأفكر أي مشهد رائع لعمان لو كانت البنايات مطلية بألوان جميلة، مثل السماوي والوردي والقرميدي وغيرها. وكنت "أزنّ" على أمين عمان الأسبق، المهندس عمر المعاني، عندما بدأ مشروع طلاء هذه البيوت، بأن لا يقبل بالمقولة السخيفة لطلائها بلون الطبيعة الصحراوية، وهو كان قد بدأ كذلك بلون واحد فظيع هو لون التراب. وقد عدّل اللون قليلا، فانقذ المشهد من البؤس. لكنه لو تجرأ أكثر، لحصلنا على مشهد رائع يعطي لعمان خصوصية تبهر الزوار، وتسعد أهل المدينة؛ فليس هناك كثير من العواصم ترى فيها مشهد عمان.
وفي الطريق إلى إربد قبل الحصن، ترى على يمينك واجهة جبل كامل يرقد عليها المشهد البائس لمخيم الحصن؛ حيث استبدل الصفيح، كليا أو جزئيا، بأبنية متواضعة من الطوب الإسمنتي، غالبا بدون قصارة. ثم في العام الماضي تغير شيء! إذ قامت مجموعة محلية، بالشراكة مع جهة متبرعة، بعمل تطوعي شبابي لطلاء البيوت بألوان زاهية مدروسة، فأصبح المشهد جميلا يُفرح القلب. وقلت في نفسي: خذ، هذا نموذج كيف تقلب الألوان وحدها الحياة. لكني سمعت، بكل أسف، أن حركة معارضة قوية قامت تشكك في أهداف هذه العملية والمؤامرة التي تختبئ وراءها، فتوقف المشروع!
العيون نوافذنا على العالم. لكننا لا نأخذ هذه الحقيقة بالاعتبار كثيرا، مع أن لدينا مثلا عن الطعام يقول "العين تأكل قبل الفم". نحن نستهلك بالنظر أيضا، ونوع المستهلَك يعطينا السعادة أو التعاسة، تماما كالفرق بين أن تشرب زيت الخروع أو عصير البرتقال. ولو كان لي الأمر، لفرضت كجزء من القانون لترخيص البناء، اللون الخارجي الذي يتحدد وفق خطة من الجهات البلدية، وسأشمل الأبنية الحجرية القائمة التي تتسخ وتفقد لونها الأبيض، وتصبح غاية في البشاعة.
أضع هذه الملاحظة برسم الانتباه لعمدة عمان الجديد عقل بلتاجي؛ المتحضر وصاحب الذوق الرفيع، فهو لن يهملها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة