رفع الشيخ رسلان رأسه من قبره وأطل على مدينته دمشق فرأى عجباً. فالمدينه أصبحت عجولة مزدحمة, وهواؤها ملوث, وأشجارها اقتلعت وأنشيء فوق ارضها الطيبة الأبنية الإسمنتية, ودخان السيارات قد شكل هالة رمادية فوق المدينة.
ظن الشيخ رسلان أنه قد أخطأ مدينته فسأل رجلا يسير مسرعا:
"يا بني.. هل لي أن أسألك سؤالا؟"
قال الرجل:
"تفضل.. ولكن بسرعة فأنا على عجل من أمري."
"هل هذه مدينة دمشق؟"
نظر إليه الرجل مستغربا وقال:
"طبعا هي. ألا ترى القلعة على يمينك والجامع الأموي على شمالك."
قال الشيخ للرجل:
"هذا صحيح جزاك الله خيرا. ولكن قل لي ماذا دهى المدينة الطيبة؟ لقد أصبحت مقبضة للنفس."
هزَّ الرجل رأسه أسفا وقال للشيخ:
"أنت لم ترَ شيئا بعد. عُد إلى قبرك وارتح فوالله لقد قرفنا حياتنا."
تألم الشيخ رسلان لما آلت إليه مدينته الجميلة الطيبة وود ألا يفيق من رقدته ثانية. وفيما كان الشيخ على وشك أن يرقد في قبره رأى عجوزا يركب حمارا في زقاق قديم وقد أصابه الإعياء فسقط من على حماره مغميا عليه. هرعت الناس إلى العجوز وقد أختلج في صدرها احساس مبهم عبق بطيب هذه المدينة القديمة. فراح أحدهم يرش الماء على وجه العجوز, وهمَّ آخر بحمله إلى المستشفى, وأمسك ثالث بحماره كيلا يسرح.
حينها ابتسم الشيخ رسلان راضيا وقال في سره:
"الحمد لله ما تزال الدنيا بخير."

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب