عطلنا أمس وأول من أمس، مدارس وجامعات ومؤسسات. وهي فرصة حلوة للبقاء مع العائلة في البيت، وتذوق الاسترخاء، ومشهد ندف الثلج من النافذة، وكذلك للتفكير في مهمات مؤجلة تنتظر وقتا كهذا للتفرغ لها. ولم يجانب الذوق الناس، فاختصروا تلفونات الواسطات، بحيث قل عددها عن أصابع اليد الواحدة.
كان هذا هو الوضع أول من أمس، حتى جاء هاتف الصديق عواد الغويري من أمانة مجلس النواب، يستنجد قائلا إنهم في افتتاح ورشة عمل في فندق "الفورسيزونز"، يوم الخميس، بمشاركة نواب من خارج الأردن، وخبراء حول موضوع النظام والسلوك في المجالس النيابية، فيما لم يحضر أي نائب أردني. ومن ثم، انتهت إجازتي. وعلى جناح السرعة، هيأت نفسي للخروج والالتحاق بورشة العمل.
لم أكن بالأصل جزءا من الورشة، ولم أكن مدعوا لها. وفي الحقيقة، لم أسأل عن النواب الذين كان يفترض حضورهم، أو الذين دعاهم الصديق الغويري مثلي لإنقاذ الموقف. فالحاصل أنني لم أجد أي نائب، بل فقط كبار موظفي المجلس المسؤولين عن المتابعة مع "غلوبال بارتنرز"؛ الجهة المنظمة للورشة. وكان هناك أيضا العين بسام حدادين الذي شارك محاضرا في الورشة، بوصفه خبيرا في شؤون الأنظمة الداخلية ومدونات السلوك للمجالس النيابية، إلى جانب محاضرين آخرين من المغرب والعراق وبريطانيا.
المفارقة هي أن هذا السلوك النيابي يأتي بمناسبة ورشة عن السلوك الخاص بالنواب. وقد عُقدت الورشة في هذا الوقت خصيصا في الأردن ومن أجل الأردن، لأن مجلس النواب الأردني بصدد إقرار مدونة سلوك، مثل العديد من الدول، ستُعتبر جزءا من النظام الداخلي للمجلس، وفق ما نص عليه النظام الجديد المعدل لمجلس النواب.
من المفهوم طبعا أن هناك وضعا استثنائيا هو هطول الثلج والعطلة العامة. ولربما افترض المدعوون أن الورشة ألغيت. لكن لا بد أن الأمانة العامة للمجلس أكدت للمشاركين أن الدعوة قائمة؛ ولا بد أنه جرت محاولة اتصال مع أكبر عدد لحثهم على الحضور، وخصوصا المقيمين منهم في عمان. وعلى كل حال، فالورشة كانت تنتهي ظهرا، ولم تكن الطرق مغلقة في عمان. وإذا أخذنا في الحسبان أن نسبة حضور النواب لورش العمل هذه لا تتعدى غالبا 20%، فلا بد وأن تصبح صفرا في يوم عطلة وطقس كهذا.
أيا يكن الأمر، فليس هناك ما يجبر النواب على المجيء لهكذا أنشطة، سوى الالتزام الأخلاقي بالدعوة التي قبلوها ولم يعتذروا عنها. لكن ماذا عن الغياب عن اجتماعات لجان المجلس، والجلسات العامة لمجلس النواب؛ وهي مسؤولية وواجب بتفويض من الشعب، يتقاضى عنه النائب بدلا ماديا، أي راتباً؟ وكنا في المداولات حول معالجة مشكلة التغيب قد اقترحنا غرامة مقدارها مائة دينار. وقد أقرت اللجنة القانونية ذلك، لكن المجلس صوت على شطب هذه العقوبة، فبقي النائب حرا في التغيب عن أي عدد من اجتماعات اللجان التي هو عضو فيها، أو عن اجتماعات المجلس. وقد ذكر النائب المغربي المشارك في الورشة أن النظام الداخلي لمجلسهم ينص على عقوبات على الغياب.
من جانب آخر، وإنصافا للنائب الأردني، لا أعتقد أن نائبا آخر في العالم ينوء تحت حمولة تضاهي حمولته من ضغوط الواسطة التي تشمل كل شيء يخطر على البال! إذ يقضي النائب على الهاتف وحده نصف وقته، عدا عن المراجعات في المكاتب والبيت من قبل المواطن، من أجل أي شيء، بما في ذلك أقساط الجامعات، وفواتير الكهرباء والمياه، وحتى أجرة الطريق للعودة! وإنه لبطر وترف أن يقضي النائب نصف نهار في ورشة عمل حول شأن عام، بعيدا عن الهواتف والمراجعين!
ومع تقدير أن هذا العبء قد يكون أحد أسباب الاستنكاف؛ إذ يجد النائب دائما ما هو أهم من التزامات يجب الاضطلاع بها، إلا أن هذا السلوك يبقى منطوياً على خلل، فإما الاعتذار عن الدعوة أو الحضور فعلا. أما اجتماعات اللجان والجلسات العامة، فما نزال نعاني منها رغم الوعيد بإعلان أسماء المتغيبين من دون عذر للجمهور. ويتأكد أنه يجب العودة لنظام للعقوبات على الغياب.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة