بدأ في عمان صباح أمس، ولأول مرة في الأردن، ملتقى عربي ودولي للديمقراطية الاجتماعية. اليوم الأول كان عالميا، بينما اليوم الثاني سيكون عربيا.
وقد أطلق على هذه الدورة اسم “دورة القدس”؛ تعبيرا عن التضامن مع قضية القدس والمقدسات التي تتعرض هذه الأيام لعدوان صهيوني متواصل.
هناك منتدى دولي لهذا التيار، اسمه “المنتدى التقدمي العالمي”، وتشارك فيه أحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية العريقة، وأحزاب وهيئات تقدمية من مختلف البلدان. وحديثا، خلال “الربيع العربي”، تأسس منتدى عربي باسم “المنتدى الديمقراطي الاجتماعي”، للأحزاب والمجموعات السياسية التي تحسب نفسها على هذا التيار السياسي الفكري.
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وفكرة الشمولية والاستبداد السياسي اللذين ارتبطا بهذا النموذج للاشتراكية، اكتسبت الديمقراطية الاجتماعية زخما جديدا، بوصفها البديل الواقعي الصحيح والممكن للرأسمالية بصيغتها المحافظة. هذا مع أن الأثر المباشر لانهيار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الشرقي كان تراجع اليسار عموما، وعودة اليمين بقوة إلى مواقع الحكم، واستضعاف النقابات العمالية والحركة المطلبية، وتعديلات تشريعية أتت على الكثير من مكاسب العاملين. وحُرر رأس المال والسوق من الكثير من القيود.
ويجب الانتباه، أيضاً، إلى أن هذه الفترة ترافقت أيضاً مع ثورة المعلوماتية والتكنولوجيا الدقيقة، التي قللت من أهمية اليد العاملة كمصدر لإنتاج الثورة، وأعلت من شأن المعرفة والتكنولوجيا والاتصالات، بحيث باتت مصدر الثروة الأعظم. فشركات قامت على فكرة مبتكرة، وبعدد قليل من العاملين، كانت تتحول إلى ثروة تفوق أكبر شركات الصناعات التي تعمل منذ عقود، وتوظف عشرات آلاف الأشخاص.
لقد تجسدت فكرة المنافسة والتفوق بأقصى صورة. لكن في النهاية، البشر موجودون، وحقهم في الحياة الكريمة مسألة مبدئية وأخلاقية، والمستهلك العادي هو، في كل الأحوال، مصدر الثروة، حتى للشركات التي تقوم على المعرفة والتكنولوجيا. وقد جاءت الأزمة المالية العالمية مصحوبة بفضائح فساد شركات مالية كبرى، لتعيد الاعتبار لدور الدولة والمجتمع كمنظمين ورقيبين على النشاط الاقتصادي؛ وكذلك رد الاعتبار لأفكار العدالة الاجتماعية إلى جانب الديمقراطية، أي أن الديمقراطية الاجتماعية بصيغتها المحدثة (اقتصاد السوق الاجتماعي) لزمن ما بعد العولمة وثورة المعلوماتية، تكتسب حضورا جديدا، وتكاد تكون البديل الوحيد لليبرالية الجديدة والمحافظة.
هذا التيار في المنطقة العربية اكتسب زخما جديدا مع “الربيع العربي”؛ فهو مثّل بدقة طموح الشعوب لدخول العصر وإنهاء الاستبداد على أساس فكرتين متلازمتين، هما: الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية. إلا أن هذا البرنامج لم تكن له الأذرع التنظيمية والسياسية الجاهزة، وشارك في الانتخابات مشتتا. لكنه أخذ يستخلص الدروس، ويعمل على خلق أطر سياسية موحدة، على صعوبة هذه المهمة. كما قاد التواصل بين نشطاء وقيادات هذا التيار إلى إنشاء “المنتدى الديمقراطي الاجتماعي” الذي يضم هيئات وأحزابا من المغرب إلى اليمن، بعضها يمثل قوة رئيسة في البرلمانات وحتى الحكومات الآن.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جميل النمري  صحافة