كان الشاب يهم بالرحيل عن مدينته عندما استوقفته شجرة الزيتون وقالت له:
"إلى أين أنت راحل يا بني؟"
قال الشاب بنفاذ صبر:
"إنني مهاجر.. فلم أعد أطيق البقاء في مدينتي."
تألمت شجرة الزيتون من كلامه وقالت:
"ولكنك ستكون غريبا أينما حللت."
"أن أكون غريبا في بلاد غريبة أهون عندي من العيش في وطن لم أعد أطيقه."
هنا أطرقت شجرة الزيتون قليلا ثم قالت:
"يا بني.. هل لك أن تسمع حكايتي قبل أن ترحل؟"
هز الشاب رأسه على مضض وجلس على حقيبته مصغيا إلى الشجرة.
"منذ زمن بعيد بُذرتُ في هذه الأرض ومن ذلك الحين إلى يومنا هذا مرت علينا – أنا واخواتي الأشجار – أيام عصيبة تضني الرجال. فقد قاومنا غزوات الغزاة وحاربنا مع المجاهدين وتحملنا مشقة الجفاف والعطش, وكاد الجراد يبيدنا, بيد أننا على الرغم من ذلك كله, بقينا صامدات. أتدري لماذا يا بني, لأن الأشجار جذورها عميقة في أوطانها."
قال الشاب للشجرة باستخفاف:
"هل أنتهيت من حكايتك؟"
أطرقت الزيتونة بإنكسار وقالت:
"نعم لقد انتهيت."
همَّ الشاب بالرحيل. رفعت الزيتونة رأسها ونادته:
"يا بني.."
التفت الشاب إليها.
فقالت شجرة الزيتون:
"إذا عُدتَّ يا بني تذكرني."
ورحل الشاب, وانطفأت نجمة أخرى في سماء الوطن.
مضت السنون, وإذا الشاب عائد إلى وطنه. عائد ليبقى, ليعانق شجرة الزيتون الطيبة, ليقول لها لم أنسك في غربتي, وها قد عدت لأتعلم منك الصمود.
ولكن عندما بلغ الشاب مشارف المدينة لم يجد أثرا لشجرة الزيتون ولا لأخواتها الأشجار. بل رأى على مد البصر طريقا اسفلتيا يلتمع ببريق الشمس الوهاجة.
الرياض 1985 - 1986
حاشية:
نشرت "بدرية" و "أبو فارس" وبكره العيد" في مجلة (إبداع) المصرية, العدد الثالث, السنة الرابعة, آذار (مارس) 1986, تحت عنوان "منمنمات على جدران المدينة القديمة". وأختيرت "بدرية" لتكون بين القصص المرشحة لجائزة أحسن قصة قصيرة جدا في مجلة (التضامن) الأسبوعية, العدد 156, 5 نيسان 1985. ونشرت "الفراشة والدالية", و"الياسمينة الجدار", و"الرضيع", و"الباب الشرقي", و"البنت والطريق" في جريدة (عكاظ) السعودية, العدد 6842, الخميس 7 آذار 1985, تحت عنوان "حكايات". ونشرت "فزع الياسمين" و"أبو فارس" و"بكرة العيد" و"شجرة الزيتون" و"اليمامة" في جريدة (البلاد) السعودية, في 17 شباط 1987. ونشرت "أمية" و"وهل يحكي القمر" و"أنا واياك على الدهر", و"ماوية والعصفور" في جريدة (الرياض) السعودية. وفي عام 1990 جمعت هذه القصص مع غيرها في مجموعة تحمل العنوان نفسه, "منمنمات على جدران دمشق القديمة"

المراجع

موسوعة القصة السورية

التصانيف

الادب