بعد انشغالها بقضايا شركات البورصة المحلية الوهمية، والتضخم، والنفط، والأزمة المالية العالمية، التفتت الحكومة أخيرا إلى موضوع الفقر الذي يقلق الكثيرين ويقض مضاجعهم، وسط توقعات باتساع مداه لتدني المداخيل وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
الاهتمام بهذا الملف جاء بعد فترة من اهمال، واقتصر العمل فيه على الاستمرار في تقديم المعونة الوطنية كمسكّن للمشكلة لا كعلاج لها.
ومن الدلالات على إهمال هذه المشكلة الاساسية بقاء الهيئة التنسيقية لمكافحة الفقر من دون كادر مكتمل وتجميد نشاطاتها وأعمالها التي تركز على رسم السياسات ووضع الاستراتيجيات الشاملة الكفيلة بتنسيق جهود المؤسسات العاملة في مجال التكافل الاجتماعي، ودراسة بيانات الفقر وتحديد مستوياته ومتابعة تقييمه وإعداد منهجية علمية لقياسه وتحليله.
الارقام الرسمية تشير الى أن معدل الفقر بلغ 13% خلال العام الحالي، لكن التقديرات غير الرسمية تظهر أن نسبته تتجاوز 35 % من الاردنيين او اكثر من ذلك نتيجة العبء الكبير الذي تتكبده الأسر في نفقاتها.
مشكلة الفقر التي انخفضت المؤشرات الرسمية حولها بشكل غير متوقع، تحتاج الى دراسة اكثر عمقا وتنظيما، فجميع محاولات الحكومات السابقة في تقليص حجم المشكلة باءت بالفشل حتى بعد إنفاق مبالغ تتجاوز 700 مليون دينار.
اسباب الفشل في الماضي كثيرة، بيد أن اهمها عدم توفر قاعدة بيانات حول الفقراء وعددهم وموقعهم وطبيعة العوز الذي يعانون منه او اسبابه.
الخطوة الأولى في معالجة هذه المشكلة تحتاج إلى أرقام حقيقية حول المشكلة ومستوى انتشارها ليُبنى عليها تشخيص حقيقي لحجم المشكلة، وإلا كيف ستحل الحكومة مشكلة الفقر وتضع لها العلاجات المطلوبة من دون معرفة الحالة؟.
ويتعين إعادة النظر في أرقام الفقر في المملكة، بعد أن أضحت هذه القضية هاجسا يؤرق الكثيرين ومصدر قلق لصانع السياسة، فنتائج جميع الاستراتيجيات إن لم تنعكس على الفقر والفقراء فلا فائدة منها، فالهدف الأساسي لأي خطط وبرامج اقتصادية هو انعكاسها على الفقراء أولا والعاطلين عن العمل ثانيا.
والبداهة تقول إن الأصل ان توظف جميع المؤسسات وبرامجها في خدمة هذه الشريحة لتخليصها من الظروف السيئة التي تعيش فيها، فالمطلوب من مؤسسة تشجيع الاستثمار استقطاب استثمارات تتوزع بعدالة في مختلف مناطق المملكة لتوفر فرص عمل تنقذ المعوز من حالته الصعبة وتضعه على سكة الإحساس بذاته ككائن على أقل تعديل.
نحتاج علاوة على ذلك استراتيجية تحث على تعظيم الصادرات وإقامة مصانع تتوزع ايضا في مواقع هؤلاء الفقراء ليتسنى لهم العمل فيها، ومطلوب من المؤسسات التي تعنى بالفقر والفقراء ان تتوقف عن اسكاتهم بمبلغ مالي لتسكين حالتهم، بل الارتقاء بمجتمعاتهم المحلية وتدريبهم وتأهيلهم ليكونوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم.
مهما تعددت المواضيع الطارئة التي تشغل الناس، الا ان الفقر سيبقى الموضوع الاهم الذي يؤثر في حياتهم ويسيطر على تفكيرهم، فبقاء الفقير على حاله من دون أي تحسن أمر صعب قد يؤول إلى نتائج مستقبلية لا تحمد عقباها.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة