كثيرة هي الكوارث التي مرت بهذه الأمة، ومتعددة هي المجازر التي أوقعت ملايين الشهداء.
فمنذ مطلع القرن الماضي ونحن نسمع ونشاهد بملء السمع والبصر القتل والتشريد هنا وهناك، ونرسم صورا في أذهاننا لجرائم حرب كانت ترتكب على مرّ عقود وأعوام مضت.
قوافل الشهداء بدأت في الجزائر، بلد المليون ونصف المليون شهيد، وانتهى النضال الجزائري ضد المحتل عام 1962، وفي الأثناء، كانت الثورة الفلسطينية الكبرى تندلع وتستمر خلال الفترة 1936 – 1939، واستشهد في حينه 7 آلاف فلسطيني، وتتالت الأحداث بعد ذلك حتى عام 1948، حينما قامت إسرائيل بجرائم جديدة ..مجازر دير ياسين وقبية، والدوايمة ومعركة باب الواد في القدس.
ولم تتوقف عند هذا الحد، بل أكملت رحلة طغيانها وجبروتها، عام 1956 بمجزرة كفر قاسم واحتلالها غزة والتنكيل بأهلها، فضلا عن ارتكابها مجازر ضد المصريين في بحر البقر أيام حرب الاستنزاف.
حتى جاءت نكسة عام 1967 وفي هذا العام أيضا مارست آلة الحرب الإسرائيلية غطرستها وأوقعت المجازر في جميع المدن الفلسطينية، وبدأت مرحلة التطهير العرقي، لتأتي معركة الكرامة التي حققت النصر الأول للعرب على إسرائيل.
بعد ذلك، جاء دور لبنان التي اجتاحها المحتل غير مرة، كانت الأولى عام 1978، والثانية في 1982 لترتكب مجزرة صبرا وشاتيلا ويستشهد على أيدي الطغاة ثلاثة آلاف من الأبرياء المدنيين، وانتهكت كل الأعراف والاتفاقات الدولية كعادتها، رغم أنها قامت بهذه الخطوة بعد أن تعهدت أميركا بحماية المدنيين شرط خروج المقاومة من المخيمات.
بعدئذ، وقعت مجزرة الحرم الإبراهيمي عام 1994 التي ارتكبها إسرائيلي متطرف أقدم على ذبح المصلين، لتلحق بها مجزرة قانا وقانا 2 اللتين استشهد فيهما العشرات.
وبعد العراق،  شهد العام 2006 حرباً ضد لبنان وكانت جرائم المحتل تقع على مرأى من الجميع، وكان الغضب الشعبي قويا، وردة فعل الشارع لا تقل ضراوة, عن كل فعل رد شعبي في كل مرة تقوم إسرائيل بممارساتها غير الإنسانية.
اعتذر من القارئ العزيز إن أطلت عليه بالسرد، ولكن إطالتي كانت بهدف تذكيره، فما قلته جزء يسير مما بقي في الذاكرة من أحداث مرت بها المنطقة من حروب وويلات، ليأتي أخيرا وليس آخرا العدوان على غزة ويتوج قذارة المحتل بكل أوصافه البشعة.
وعاجلاً أم آجلاً سينتهي العدوان على غزة ويتوقف القتل ونهر الدماء الجارف، لكن السؤال ماذا بعد ذلك؟ هل ستضْحي غزة مثل دير ياسين، وصبرا وشاتيلا، وقانا؟ مجرد مجازر نتحدث عنها, هذا إن تذكرناها رغم فظاعة الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الغزيين.
وبتقييم حال الأمة خلال هذه الحقبة نكتشف أننا امة ذات ذاكرة مثقوبة تعاني من مرض الزهايمر، إذ سرعان ما تغيب المشاعر والانفعالات التي تتعاظم مع توارد أخبار الحرب.
العرب كما يبدو يتمتعون بنعمة النسيان، لذا يجب على مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والنقابات اختلاق أفكار وتطبيقها لتغذي الذاكرة وتبقيها حية حتى لا ننسى صور الأطفال الشهداء والنساء الثكلى والدمار الكبير.
فحالة التخدير التي عشناها وتعايشنا معها في الماضي مكنت العدو من تنفيذ مخططاته وفرض قوته والاستيلاء على الارض، ونحن في هذه المرحلة الصعبة التي نواجه فيها سيناريوهات تهددنا جميعا، ولم تعد سرا، احوج ما نكون الى كل اداة تذكرنا بما فعلت بنا اسرائيل لنكون متيقظين وواعين لما تخطط له.
لنتعلم من عدونا الذي كرس مجزرة واحدة يزعم أنها مرت به هي الهولوكوست واستخدمها على مدى عقود كورقة رابحة تقدمه كضحية، لتسويق أفكاره وحمايتها وجعلها حجة أمام العالم أجمع كدليل على عدالة قضيته.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة