رغم أن كثيرين، سياسيين وإعلاميين ومراقبين، نظروا إلى قمة الكويت التي اختتمت أمس من ثقب الباب السياسي، إلا أن ما غفل عنه هؤلاء أو ما لم يشاءوا التحديق فيه هو الإنجاز الاقتصادي والتنموي، وبخاصة جانبه المتصل بالشباب والطفل والمرأة وإطلاق طاقات البحث العلمي وتحفيز مبادرات المجتمع المدني واحتضانها.
إعلان الكويت تضمن العديد من التوصيات المتعلقة بالشأن الاقتصادي. وكانت أبرز هذه التوصيات الجريئة في هذا السياق تحييد السياسة عن الاقتصاد.
ويظهر أن من طالب بإدراج هذه التوصية يدرك جيدا أن هذه المسألة ساهمت تاريخيا في إضعاف العمل الاقتصادي المشترك، فعلى مدى عقود تسبب الاختلاف والخلاف السياسيان بإفشال العديد من المشاريع وتوثيق العلاقات الاقتصادية، لأن التجاذبات السياسية جرّت العرب وما انفكت إلى مهاوي الردى وأتون التصارع والمناكفات، بدل أن تجعلهم يتعاضدون من أجل الارتقاء بشعوبهم في سائر مجالات العيش المشترك وتحقيق الرفاه وإنعاش الأمل بالمستقبل.
بيد أن من الملحّ والملحّ جدا تغيير المعادلة أيضا رغم مناخات الضباب الذي يظلل الرؤية المشتركة. ومن الضروري الإيمان بأن الاقتصاد سبيل جوهري للتقارب العربي وتحقيق التفاهم السياسي، في منأى عن المصالح القطرية الضيقة. لقد أثبتت التجربة أن العمل بشكل أحادي لم يحقق شيئا للمواطن العربي، بل جلب المزيد من الفرقة وزرع الكثير من بذور الشقاق والنزاع والتشرذم، وأدخل النظام العربي في حروب الطوائف.
قمة الكويت اهتمت بالتعليم والبحث العلمي، وخلق أجيال عربية تتمتع بمعايير عالية ونوعية متفوقة، فتوفير نظام تعليم متقدم يخرّج أجيالا متعلمة يعد النواة الجنينية لتحسين بيئة العمل والاستثمار ورسم صورة مقرّبة لما سيكون عليه المستقبل.
الحلم مايزال يسيطر على صناع القرار بإمكانية تحقيق التكامل العربي من خلال التخطيط لتنفيذ 480 مشروعا استراتيجيا تخدم الدول العربية جمعاء.
التوصيات الاقتصادية بدأت بالعامة وانتهت بأدق التفاصيل، فمن الأزمة المالية العالمية التي تشغل الجميع، بحثت القمة في الاستثمار وتمويل المؤسسات المالية ودور القطاع الخاص والتنمية البشرية والتعليم والبحث العلمي والخدمات الصحية والحد من البطالة، فضلا عن قضايا المرأة والشباب والهجرة والإسكان والتنمية الزراعية وتجارة الخدمات والطاقة والنقل والسياحة والبيئة والأمن المجتمعي وحتى الملكية الفكرية.
وأعتقد أن من بين أهم المشروعات المعروضة كان إعادة إعمار غزة  التي دمرتها الوحشية الإسرائيلية، وكذلك مشروع استكمال ما تبقى من مشروعات الربط الكهربائي وفقا للأولويات، ومشروع الربط البري العربي للسكك الحديد ومنح مزايا تفضيلية خاصة للاستثمار فيه. وانبرت القمة للتأكيد على أهمية مشروع الاتحاد الجمركي العربي، ومشروع الأمن المائي، وسواها من مشروعات تتخطى الأفق السياسي الآني، وتذهب باتجاه ما هو استراتيجي يخدم الغد ويفتح أمامه دروب التفاؤل.
التحديات كبيرة تلك التي تحيق بالعرب الآن، لأنها ستحدد هوية وجودهم في صيانة وإدارة قضايا مصيرية تهم الشعوب العربية، خصوصا في هذه المرحلة الحساسة، كما تحدد وجود العرب على الخريطة العالمية كقوة اقتصادية وسياسية يحسب حسابها وتفرض إيقاعها وحضورها وشروطها على الآخرين.
هذه التحديات من شأن الاضطلاع بها وأخذها على محمل الجد أن يصوغ مستقبل العرب في السنوات المقبلة، ولا أعتقد أن أحدا يرضيه ما وصل إليه العرب في الوقت الراهن من انحدار على سائر المستويات، وبالتالي لا أعتقد أن أحدا يحب الإقامة بين الحفر، ولا يتطلع إلى صعود الجبال ومعانقة الأعالي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة