يدعو الدكتور علي الكواري في كتابه "تنمية للضياع أم ضياع الفرص، محصلة التغيرات المصاحبة للنفط في بلدان مجلس التعاون: رؤية علمية ومنهجية" - وهو من أفضل ما يمكن أن يقدم في هذا المجال- إلى ضرورة الاستعداد والمواجهة وإعادة تخطيط التنمية وصياغتها لأننا ندفع ثمن "التنمية الضالة" ثم سندفع ثمن أخطائها وتداعياتها ومحاولة إصلاحها، أي أننا مثل من يبني بيتا مكلفا ثم يجده لا يصلح للسكن فيدفع مرة أخرى لأجل هدمه ويدفع مرة ثالثة لأجل بناء بيت جديد مناسب، ويعتقد الكواري أن الفرصة مازالت مناسبة لتنمية صحيحة توظف الوقت والمواد المتاحة لبناء منظومة من الموارد والخدمات والاحتياجات الأساسية ثم منظومة اجتماعية وسكانية وثقافية تحمي الموارد وتنميها وتنظمهما.
وينفي الكواري عن الحالة القائمة اليوم صفة النمو الاقتصادي أو تسميتها بالصفات المستحبة عن محصلة التغيرات المصاحبة لعصر النفط في المنطقة، فالتنمية عملية حضارية مجتمعية شاملة، ويصف ما هو قائم اليوم بالعشوائية، وكان أولى الضحايا لطريقة تدفق وتوزيع الموارد الجديدة هو المجتمع نفسه، ففي الغلبة العددية السكانية للوافدين أصبحت عمليات فهم المجتمعات الخليجية وتنميتها وتنظيمها أقرب إلى المتاهة التي تغص باللبس والغموض والحيرة والتشتت والتحولات السريعة والمتسارعة إلى درجة تحبس الأنفاس، "ولم تعد العمالة الوافدة ظاهرة مؤقتة، وإنما أخذت أبعادها، حيث عمقت الازدواجية السكانية وأشاعت عدم التجانس في المجتمع".
فالمجتمع الرئيسي بدأ ينقسم إلى دائرتين كبيرتين: المواطنين بانتماءاتهم المتعددة عرقيا ومذهبيا وقبليا، والسكان الأجانب باختلافاتهم المذهبية والثقافية والإثنية. وهنا يرفض الكواري مقولة مقارنة المجتمعات الخليجية بالمجتمعات الأميركية، ويقول إنها غير دقيقة وربما تكون مضللة، فالمواطنون هناك يشكلون 90% من السكان وتجري عمليات انتقاء وتحكم واسعة ودقيقة بتدفق المهاجرين وفق رؤية لأهداف الدولة والمجتمع وللقيم والثقافة السائدة، ولكن الوافدين إلى دول الخليج تستقدمهم الشركات والمؤسسات بعيدا عن أهداف الدول وسياساتها العامة، وهكذا فإن الناس رغم أنهم يعيشون معا على أرض واحدة فإنهم يشكلون حالة تدعو للاهتمام.
فالمواطنون لا يشكلون سوى نسبة ضئيلة في قوة العمل، والمجتمعات والمصالح والثقافات تتشكل حول الأعمال، فكيف يمكن الحديث عن تنمية ثقافية وعمليات الانتماء والمشاركة؟ ويمتد الوافدون بالإضافة إلى قطاعات التجارة والأعمال والتقنية والمهن إلى المساجد والمدارس ووسائل الإعلام والثقافة والقضاء، وهذا ينعكس بالخلل والإعاقة على عمليات المواطنة والدور المفترض للمواطنين في التفاعل مع قضاياهم وتطوير مشاركتهم عدا عن إشكالات الهوية والثقافة، ويُفقد المواطنين القدرة على التأثير في القرارات والتوجهات المتعلقة بمصائرهم ومصالحهم، وكانت كثافة الهجرة وزيادتها مثل "زيادة صب الماء على الطحين"، وعطل التواجد الكثيف للوافدين التعاون بين المواطنين، وعرقل نمو الحد الأدنى من التساند الوظيفي الذي لا تقوم للمجتمعات قائمة من دون وجوده، كيف ستنشأ المطالب المهنية والوظيفية والإصلاحية في مجالات الأعمال والمهن والوظائف والأجور وحقوق العمل؟
كيف ستنشأ الاتحادات والجمعيات والنقابات المهنية وتطور أعمالها وتنظم المهنة؟ وعندما تطبق قوانين العمل والإقامة بالمواصفات والمعايير العالمية والمعاهدات الدولية وتتوقف الحالة الاستثنائية القانونية للعمالة الوافدة فإنه برغم عدالة ومنطقية هذه الحالة ستنشأ تداعيات أخرى ربما تكون أكثر خطورة وتدعو إلى القلق أكثر من الحالة القائمة، فعندما تلغى اجراءات الإقامة والكفالة ولم شمل عائلات الوافدين، ويُشمَل أبناؤهم بحقوق العمل والتجنس فسوف يفقد المواطنون صفة التيار الرئيسي في المجتمع، وما على المجتمعات الأصلية إلا أن ترضى بكونها أقلية من أقليات المجتمع، وإذا عطلت حقوق المتجنسين فإن الديمقراطية والتنمية نفسها ستصاب بالإعاقة والشلل وفقدان المعنى وتغيب عمليات التفاعل والتنافس السياسي والاجتماعي التي تقوم عليها الإدارة والمصالح والتجارة والعلاقات الداخلية للقوى المجتمعية والسياسية، وهذا هو الضياع الذي يحذرنا منه اليوم الدكتور الكواري وقد ندفع ثمنه مرتين وقد لا نستطيع تجنب نتائجه حتى لو أردنا الإصلاح.
FacebookTwitterطباعةZoom INZoom OUTحفظComment

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد