الأخبار التي ينشرها زملاء عن نشاطات وحملات لزراعة الأشجار الحرجية تدعو للسخرية والخجل، فليست زراعة مئات وآلاف الأشجار الحرجية تستحق أن تكون خبرا، ولا إنجازا يذكر وينشر في الصحف، إلا إذا كانت أخبارا تنشر على سبيل الانتقاد، ولكنها لم تكن كذلك، ويبدو أن أصحاب هذه النشاطات والصحافيين "يتفهلوون" علينا أو أنهم لا يعرفون شيئا عن الغابات والتحريج، وإذا لم ننهض لحملة وطنية شاملة لزراعة بليون شجرة حرجية سنويا وعلى مدى عشرين سنة متواصلة فليس ثمة ما يستحق عناء الإشارة والذكر والتقدير، فنسبة الغابات في الأردن تقل عن واحد بالمائة من المساحة الإجمالية ويجب أن تضاعف إلى عشرين ضعفا لنلحق بالمستوى المطلوب لوضع الغابات الصحيح.
وليست الغابات والأشجار الحرجية عملية ترفيه معزولة عن مصالح الناس والمجتمعات والدول ولا سلوكا أنيقا يتفضل به المسؤولون والنخب علينا مصحوبا بالكاميرات والاستعراض، ولكنها منظومة مصالح اقتصادية وتشكيلات اجتماعية وثقافية كبرى وراسخة، وبغير ذلك فلا يمكن أن تنجح الغابات وتنمو، فالبداية الصحيحة للتحريج والغابات أن تنشأ حولها مجموعة من المصالح والمشروعات الاستثمارية القائمة عليها والتي تستمد ازدهارها ونموها من الغابة، مثل الصناعات الخشبية والأدوية والصناعات الغذائية وتربية النحل والمواشي والحيوانات التي لا تضر بالغابات، ويفترض أن تتشكل حول هذه المشروعات الاقتصادية تجمعات سكانية ومشروعات حرفية وتعليمية، وأندية رياضية وحياة اجتماعية وتجارية وتقافية مرتبطة بالغابة وتستمد بقاءها واستمرارها من بقاء واستمرار الغابة نفسها، وهذا سيجعل الناس والشركات أكثر حرصا ومبادرة لتنمية الغابات وتطويرها.
نحتاج من المهندسين- لو أن النقابات المهنية تشغل نفسها بالمجتمعات أكثر- تصميم مبادرات في صناعة الأثاث واستخدام الأخشاب في البناء بدلا من الحديد، وقد نستطيع بذلك الحصول على موارد متجددة ومتاحة للبناء، وإذا وضع مهندسونا عقولهم في رؤوسهم فقد يبدعون صناعات خشبية لا تكفي فقط للسوق المحلية ولكنها قد تزود الأسواق العربية والعالمية، فالإبداع اليوم يضاعف الموارد مئات وآلاف الأضعاف، كيف نجعل من الخشب أعمالا جميلة ورائعة تستمد قيمتها من تصميمها وذكائها والحاجة إليها وليس من مجرد كونها خشبا، كيف يمكن أن ننتج مكاتب وخزائن ومقاعد ومطابخ تفضل غيرها مما ندفع ثمنه أضعافا مضاعفة من الشركات الآسيوية والعالمية؟
وما نزال ننتج أقل من ربع ما نستهلكه من العسل، وما نزال نستورد اللحوم والحليب والأغذية بالبلايين، وهي منتجات يمكن توفيرها وبمستوى من الجودة يفوق غيرها، كيف جعلت الدول والشعوب الاسكندنافية من الأبقار مصدرا لثروات وصناعات تفوق النفط؟ كيف تصدر أستراليا الإبل إلى الخليج؟
ليست هذه الأفكار والمشروعات صعبة ولا مستغربة، وإذا كان المسؤولون عاجزين او غير راغبين في تنفيذها فليكفوا عن احتقارنا بتلك الأخبار التي يبعثون بها من قبيل أنهم تفضلوا علينا بزراعة ثلاثمائة شجرة، فقد زرعت أنا واخواني في مناطق لم تكن تزرع من قبل أكثر من ثلاثة آلاف شجرة حرجية وألف شجرة زيتون ومئات الأشجار الأخرى المثمرة، وهي ناجحة ولا تحتاج إلى ري وعناية فائقة بعد السنة الأولى من عمرها، وتعيش في مناطق وعرة وحارة وقليلة الأمطار نسبيا، وليس هذا مثالا نادرا، ولكنه يكاد يكون ما يفعله معظم الناس بلا مباهاة وبلا مساعدة، ولكن المشكلة أن الناس ليست لديهم أراض يزرعونها لأن معظم الأراضي تملكها الدولة، وهي القادرة على تشكيل مبادرة لغابات ومراع كبيرة تحسن حياة الناس وتضاعف مواردهم، غابات لا تكون عبئا على الناس ولكنها مصدر للثروة المتجددة والمتزايدة وأساس لمدن وبلدات ومصانع وجامعات ومدارس وأندية وصحف ومجلات وإذاعات وقصص وروايات ومسلسلات وحكايات وأساطير وأغان وفنون وبطولات.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد