بدأت منذ عامين بالكتابة عن أهم عشرة كتب في العام الماضي، وقد اخترت في مقالين منفصلين أهم الكتب لعامي 2005، 2006، وفي هذه المقالة سأعرض لأهم عشرة كتب من العام 2007، ولدي قائمة بأكثر من مائتي كتاب جمعتها وصدرت في العام 2007، قرأت منها حوالي 70 كتابا، وما تزال الكتب تتوالى ولم تتوقف قائمة العام، ولكنا بحكم بداية العام سنتجاوز عما سيصل مما يحسب على العام الفائت، وبالطبع فإن هذه المحاولة للعرض والتقييم هي شخصية وفردية، ومستمدة من القراءة والتجربة الذاتية، وليس المطلوب في هذه المقالة تقديم عرض معياري مؤسسي، ولكنها تجربة قارئ أتيح له أن يكتب، وثمة مشاهدات ومصادر في الحياة والثقافة والتاريخ والسياسة كانت كذلك لأن أصحابها كتبوا، فالكتابة تمنح سلطة استثنائية، ولكنها ليست فرصة جميلة على أية حال، وبالطبع فثمة معيار اخترته، وهو الانسجام مع الاتجاه العالمي لحركة الفكر والتأليف، وهي بتقديري الاستجابة للتحولات الاقتصادية والاجتماعية الناشئة عن المعلوماتية والاتصالات وما يصاحبها من تشكلات ثقافية، ويلاحظ في هذا السياق عودة الفلسفة وصعود اللغة والثقافة وسيادتها على حركة التقدم العلمي والثقافي.
وبتقديري وضمن قراءاتي فإن أهم عشرة كتب صدرت العام الماضي هي:
"أسلحة، جراثيم، فولاذ/ تأليف: جارد دايموند، الأهلية للنشر، عمان، و"الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي/ تأليف: سامي زبيدة"، دار الغرب الإسلامي، بيروت، و"الاستشراف، مناهج استكشاف المستقبل/ تأليف: ادوارد كورنيشن، الدار العربية للعلوم، بيروت، وظاهرة الحرب/ تأليف: غاستون بوتول، دار التنوير، بيروت، و"من يصوت؟" تأليف: ريموند وولفينغر وستيفن روزنستون، الأهلية للنشر، عمان، و"بردة النبي، الدين والسياسة في إيران"، تأليف: روي متحدة، دار المدار الإسلامي، بيروت، و"الصناعات الإبداعية، كيف تنتج الثقافة في عالم التكنولوجيا والعولمة"/ مؤلف جماعي، تحرير: جون هارتلي، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، و"الفرصة الثانية، ثلاثة رؤساء وأزمة القوة العظمى الأمريكية"/ تأليف: زبيغنيو بريجنسكي، دار الكتاب العربي، بيروت، المجتمع المدني في العالم الإسلامي، منظورات معاصرة/ مؤلف جماعي (محمد أركون، وأوليفيه روا، وعزيز إسماعيل، وآخرون)، تحقيق: أمين ب. صاجو، دار الساقي ومعهد الدراسات الإسماعيلية، لندن، و"عصر الثورة (أوروبا 1789 – 1848)/ تأليف: إيريك هوبزباوم، المنظمة العربية للترجمة، بيروت.
وجميعها كتب مترجمة، والواقع أن حركة الترجمة إلى العربية تشهد ازدهارا كبيرا، ويمكن أن نلاحظ هنا الدور المميز الذي تقوم به مؤسسات ثقافية ودور نشر، مثل المجلس الوطني للثقافة في الكويت، والمنظمة العربية للترجمة، والأهلية ودار الساقي والمدار الإسلامي وغيرها من دور النشر، وبالطبع فما تزال بيروت تقود النشر العربي، وكان يقال من قبل إن القاهرة تؤلف وبيروت تطبع وبغداد تقرأ، ولكن القاعدة تبدو اليوم أن العرب يترجمون وبيروت تطبع.
يقدم كتاب سامي زبيدة بعنوان "الشريعة والسلطة في العالم الإسلامي" إضاءات جديدة ومهمة في النظر والتحليل حول مسألة تطبيق الشريعة الإسلامية والعلاقة بينها وبين التشريع والحكم والإدارة، وقد بدأت القضية تتبلور كما هو معلوم في القرن التاسع عشر عندما دخلت الدولة العثمانية في مرحلة من التطوير المؤسسي والتشريعي لتستوعب التحولات الديمقراطية والسياسية التي جرت في أوروبا وتحافظ في الوقت نفسه على الطابع الإسلامي أو الانسجام مع الشريعة الإسلامية، واستنبط العلماء والقضاة الصيغ التي تم بموجبها إدخال الممارسات المالية القائمة ضمن نطاق الشريعة، ولم يحدث ذلك بجعل تلك الممارسات تتوافق مع القانون الشرعي، بل بتوسيع مفاهيم ذلك القانون ومفرداته بحيث تستوعب الممارسات القائمة وتضفي عليها شرعية دينية مع الحفاظ على اختصاص القضاة ضمن إداراتهم، وقد أظهرت الشريعة مرونة كبيرة في الزمان والمكان، ويصل سامي زبيدة إلى القول بأن إصرار الآراء الحديثة على الطبيعة الثابتة وغير المتبدلة للشريعة بوصفها قانونا إلهيا لكل الأزمان، لا تؤيده دراسة تاريخ الشريعة وعملها.
ويعرض كتاب "أسلحة، جراثيم، فولاذ" مخالفا الدلالة الظاهرة لعنوانه الأسباب التي تجعل شعوبا تنجح في غزو شعوب أخرى، ويفكك مؤلفه عالم الأحياء التطورية جارد دايموند النظريات المتأسسة حول التاريخ البشري على نحو يجعل الكتاب وكأنه تاريخ لشعوب العالم أو رواية موحدة للحياة الإنسانية، عندما بدأ الإنسان قبل ثلاثة عشر ألف عام حياته صيادا وجامعا للطعام، ثم بدأت مسارات التطور للمجتمعات البشرية بالتفرق جذريا، فبعضها اكتشف الزراعة وتعلم تدجين المواشي وتربيتها، ثم بدأت الكتابة والتكنولوجيا والحكومات والثقافات.
ويقدم كتاب الاستشراف، مناهج استكشاف المستقبل دراسة منهجية لتعلم تقدير المستقبل واستشرافه، باعتباره علما بدأ يأخذ أهمية كبرى في مرحلة التحولات التقنية والاقتصادية الكبرى وما تبعها من تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية، وذلك من خلال دراسة التحولات الكبرى الجارية في العالم اليوم حول تقنية المعلوماتية والاتصالات، ثم محاولة تقدير وفهم التوجهات الرئيسة التي تصوغ المستقبل في مستوى المعيشة، والتربية والتعليم، والسكان، والبيئة، ودراسة وعرض مناهج الاستشراف المستقبلي، مثل استخدام النماذج والمحاكاة واستخدام السيناريوهات.
ويعالج كتاب "ظاهرة الحرب" الحرب باعتبارها ظاهرة اجتماعية، هي الأشد عنفا والأكثر تأثيرا في مسار التاريخ وصنعه، لأن التاريخ برأي المؤلف بدأ بكونه حصرا تاريخ النزاعات المسلحة، والحال أنه من المستبعد أن يستطيع التاريخ الكف عن كونه "تاريخ الحروب"، خاصة أن الحرب هي التي أطلقت حضارات وأنهت أخرى، والحرب هي دائما التي تفرض على البشرية ولفترة طويلة نمطا اجتماعيا، وتلعب دورا مهما في التحولات الاجتماعية، وهي الأكثر فاعلية في الاتصال بين الشعوب وحضاراتها.
ويحاول المؤلفان في كتاب "من يصوت" تحليل ظاهرة تراجع عدد المشاركين في الانتخابات العامة في الولايات المتحدة، وهي ظاهرة تشمل جميع الدول الديمقراطية، وتهدد عدالة الحكم والاختيار والتمثيل السياسي، ويجري المؤلفان تحليلات لعينة واسعة وشاملة من بيانات المسوح الانتخابية التي أجراها مكتب الإحصاء الأميركي والارتباطات المتصلة بالإقبال على الانتخابات، مثل التعليم والدخل والعمر والمهنة والجنس والحالة الاجتماعية والعرق ومكان الإقامة.
ويعرض كتاب "بردة النبي" على نحو روائي التعليم الديني الشيعي في إيران في مرحلة ما قبل الثورة الإسلامية عام 1979 من مدخلين اثنين، أحدهما باعتباره التعليم التقليدي المتبقي مما كان سائدا في العالم كله ونشأت عليه جامعات عريقة مثل كامبريدج وأكسفورد، وقدم للعالم علماء وفلاسفة مثل المسيحي توما الأكويني، والمسلم ابن رشد، واليهودي موسى بن ميمون، والمدخل الثاني وهو الأكثر شيوعا تأثير هذا التعليم على الثورة الإيرانية وعلى إيران بعد الثورة.
وأما كتاب "الصناعات الإبداعية" فينطلق هذا الكتاب من الحاجة إلى مواجهة التحديات المفروضة في عالم يشكل فيه الإبداع والابتكار والمخاطرة حاجة عامة إلى المشروعات الاقتصادية والثقافية، حيث تقود المعرفة والأفكار العمليات التحديثية والاقتصادية، وحيث تشكل العولمة والتقنيات الجديدة قوام الحياة والخبرة اليومية.
ففي عام 2001 قدر صافي عائدات حقوق النشر الأميركية بـ 791,2 بليون دولار أميركي، ويعمل بها حوالي 8 ملايين عامل، ويبلغ إسهامها في الصادرات: 88،97 بليون دولار، أي ما يفوق صادرات السيارات والطائرات والصناعات الكيماوية والكمبيوتر.
وتعود أهمية الصناعات الإبداعية أيضا إلى دورها المتوقع في توجيه المعرفة الاقتصادية وتيسير الصناعات والخدمات الأخرى.
ويقدم كتاب "الفرصة الثانية، ثلاثة رؤساء، وأزمة القوة العظمى" تقييما لحقبة الرؤساء الأميركيين الذين قادوا الولايات المتحدة الأميركية بعد نهاية الحرب الباردة، جورج بوش الأب، وبيل كلينتون، وجورج بوش الابن، باعتبارهم أيضا قادة العالم، ويخلص المؤلف وهو زبيغنو بريجنسكي، مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس جيمي كارتر، وأستاذ السياسة الخارجية في جامعة هوبكنز إلى أن الولايات المتحدة بددت قدرا كبيرا من قوتها ومكانتها، ويقدم توصيات لتستعيد الولايات المتحدة الأميركية هيبتها العالمية.
ويعرض كتاب "المجتمع المدني في العالم الإسلامي، منظورات معاصرة" مجموعة من الدراسات وأوراق الأعمال قدمت في سلسلة من الندوات تناولت المجتمع المدني، واستضافها معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن، وقدم فيها مجموعة من المفكرين والأكاديميين وطلاب الدراسات العليا والقادة السياسيين ونشطاء الجماعات مجموعة من الدراسات والنقاشات حول المجتمع المدني في العالم الإسلامي، وقد استوعبت في هذا العرض مجموعة الدراسات في قسمين: المجتمع المدني في الفكر الإسلامي، والمجتمع المدني في العالم الإسلامي اليوم.
ويعرض كتاب "عصر الثورة" التحولات الكبرى التي اجتاحت العالم بعد الثورة الصناعية وأهمها بالطبع الثورة الفرنسية التي أعادت صياغة الحكم والسياسة في العالم الحديث على قواعد جديدة مختلفة جذريا عن الحقب السابقة، بالإضافة إلى التحولات الأخرى في الحرب والدبلوماسية، والطبقات الاجتماعية، والعلوم والفلسفة والدين والآداب، وبالتأكيد فإن التحولات الكبرى التي يمر بها العالم اليوم تجعل لاستدعاء التحولات السابقة أهمية كبيرة، ويعمل المؤلف الذي يعد من أهم أساتذة التاريخ الاجتماعي رئيسا لكلية بيريك بجامعة لندن وأستاذا زائرا في عدد من كبريات الجامعات الأوروبية والأميركية والآسيوية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة ابراهيم غرايبة جريدة الغد