لعل هذا الرجل قد حفر في تاريخ البشرية آثاراً عديدة ، فقد وقف سداً منيعاً ضد التمييز العنصري الذي عشعش في العقل الغربي حيث كان ذلك العقل مصراً على أنه افضل من الآخرين ، وهي فكرة يهودية استهلكت العقل اليهودي بأنه شعب الله المختار ، وعليها عاش هتلر بأن الألمان هم حملة أنقى الدماء وأنهم الأجدر بحكم العالم ، وكذا رأى الانجليز أنفسهم يوم استعبدوا شعوب الأرض وقتلوا الهنود الحمر ونهبوا بلدهم وكونوا بلداً جديداً اسمه الولايات المتحدة ، وكذا فعلوا في استراليا . ولعل السؤال الذي يجب التدقيق فيه هو : هل هذا مجرد عمل استعماري أم مخزون ثقافي زرعته المناهج التعليمية ؟ لو كان الأمر محصوراً في السياسات الحكومية لقلنا هو عمل استعماري ، ولكننا اذا نزلنا إلى عامة الناس لوجدنا عندهم نفس الفكرة العنصرية . لم يكن نظام التمييز العنصري الذي قاومه مانديلا مجرد حكومة بل كان البيض الاستعماريين مساندين لحكوماتهم ولم تسجل المظاهرات التي كان يقوم بها السود وجود أناس بيض يشاركونهم الاحتجاجات ولا المساندة ولا التأييد عن بعد فضلاً عن القرب

إننا نفخر بثقافتنا الإسلامية التي تجاوزت موضوع التمييز العنصري قبل خمسة عشر قرناً لأن ثقافتنا زرعت فينا أن مؤذن الرسول بلال الحبشي ، وأن عمر بن الخطاب قال عن بلال : أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا يعني بلالاً .

بل راحت ثقافتنا لا ترى منقصة في تولي السلطة من قبل شخص ذي بشرة سوداء ( اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ) . ولعل الدرس الثاني في قصة مانديلا هو عنصر التحدي والإصرار فلم يأبه هذا الرجل بالسجن الطويل ( 27 سنة ) ولم يتنازل قيد انملة ورضخ العنصريون لموقفه وأدخلوه التاريخ المشرف بينما ولجوا هم التاريخ المشين . وإذا تتبعنا تاريخ الرجال الذين صمدوا وجدنا العاقبة لهم والانتكاس لأعدائهم فهذا غاندي يصر على مقاومة المحتل دون ان يحمل بندقية فحصل على استقلال بلده وخرج المستعمر يجر أذياله ، وكان انتصاره بأبسط الأدوات وهي المقاومة السلبية برفض أوامر المستعمر .

حتى الذين طغوا على المفكرين ذهبوا إلى مزابل التاريخ بينما بقي فكر المفكرين مستمراً تقرؤه الأجيال جيلاً بعد جيل .

والدرس الثالث في حكاية مانديلا وصوله للسلطة التي لم يسع إليها ثم تركها لغيره بكل هدوء ، وقد رأينا في الربيع العربي وقبله كيف يتمسمر الحكام في الكراسي حتى آخر لحظة وكأنها لا حياة بدونها لماذا هذا العشق المزيف ؟ هل هي الرغبة في خدمة الناس ؟ رحم الله سيدنا عمر يوم قال : من يأخذها بحقها ؟ حق الكرسي ليس النغنغة على حساب الناس بل التعب لأجلهم ، وما سمي المنصب بهذا إلا للنصب ( بفتح النون والصاد ) أي التعب . فإذا كان المنصب للتعب لأجل الناس فلماذا يتشبث الحكام بالموقع وهم يعلمون أنهم لن يبقوا فيه فقد سبقهم أناس ذهبوا اليوم إلى ربهم لجرد الحساب هناك كما قال عليه السلام ( ان الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع ) .


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  بسام العموش   جريدة الدستور