تشكلت حول ظاهرة الاستعمار مجموعة كبيرة من الأعمال الأدبية والدراسات، وفي دراسة آنيا لومبا "في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار" أمثلة عدة من الأعمال المعبرة عن النظريات الاستعمارية والعنصرية، منها رواية "المحتالون" لجون ماسترز التي كتبها عام1952 والتي تروي كيف تحول بريطاني أبيض يعيش في الهند إلى معتقدات وممارسات هندية.
وهنا تكون الخطورة عندما ينجذب الأبيض إلى فضاءات الأصليين، ولكن يستطيع حسين أحد السكان الأصليين أن ينتشل وليام إلى هويته الرسمية الحقيقية، وهي الهوية البريطانية الاستعمارية بعيدا عن جنون الهنود، يفعل حسين ذلك بواسطة الصليب الخشبي الذي أهدته له ماري زوجة وليام.
وفي رواية "قلب الظلام" لجوزيف كونراد مثل مشهور لهذا النموذج، ففي هذه الرواية تبدو أفريقيا غابة بدائية ومصدر سلطة وثروة تأسر كورتز، البطل الاستعماري وتقوده إلى الجنون. ويخبرنا مارلو راوي القصة أنه بينما كان ذكاء كورتز واضحا، فقد كانت روحه مجنونة، وبسبب وجوده وحيدا في البرية فقد نظرت نفسه إلى داخلها.
ويسافر مارلو في نهر الكونغو إلى قلب الظلام بحثا عن كورتز في رحلة هي في حد ذاتها رحلة إلى الطفولة والجنون وأفريقيا.
ومع أن عددا من النقاد يعتبرون تشوش كورتز نتيجة للجشع الاستعماري ويعتبرون الرواية نقدا للإمبريالية، فإنه يمكن النظر إلى الرواية على أنها تكرر بدائية التحليل النفسي الكلاسيكي، وكتب عنها شينوا أشيبي قائلا إنها رواية تضع موضع التساؤل إنسانية الشعب الأسود بحد ذاتها.
ففي هذه الرواية كما هي الحال في معظم قصص الاستعمار نجد أن أفريقيا هي المكان الذي ينهار فيه العقل الأوروبي ويتراجع إلى حالة بدائية. أفريقيا والهند والصين وأراض أجنبية أخرى تدفع إلى الجنون، إنها الجنون بعينه.
يعتبر برأي لومبا كتاب بنديكت أندرسون "مجتمعات متخيلة..آراء في أصل القومية وانتشارها" أهم دراسة ظهرت حول القومية، وترد الدراسة ظهور القوميات إلى الدور الذي لعبته الطبقات الوسطى والقيادات الفكرية، وقد أنشأت هذه القومية قاعدة للعمل لأجل الديمقراطية والاستقلال والحريات، ولكن فيما بعد استغلتها الأسر الحاكمة الأوروبية لتنتج قوميات مزورة ومحافظة.
وبعد الحرب العالمية الأولى ظهرت أمم وقوميات مستمدة من مناهضة الاستعمار، وهو دور قامت به أساسا الطبقات المثقفة التي استطاعت بثنائية اللغة التي تملكها أن تصل إلى الثقافة الغربية الحديثة. وهنا ظهر خطاب ما بعد استعماري يستمد من الثقافة واللغة الاستعمارية نفسها أدوات ومؤسسات مناهضة الاستعمار.
كان الشعور القومي القائم على اللغة والثقافة أساس مناهضة الاستعمار، ووجد الاستعمار أن إضعاف هذه المناهضة وإفشالها يقوم على التركيز على نقاط الضعف والفشل في هذه الثقافات، وهنا ركز الاستعمار كثيرا على وضع المرأة في المجتمعات والثقافات الشرقية.
يقول فرانس فانون إن كشف حجاب المرأة العربية أصبح هوسا لدى المستعمرين، وأصبح الحجاب رمزا للإحباط الاستعماري لأنه يسمح للمرأة بالتحديق في العالم بينما يحميها من العيون الفضولية.
وهكذا فإن اغتصاب المرأة الجزائرية في أحلام الأوروبيين يسبقه دوما تمزيق الحجاب، ويصبح النضال الاستعماري نوعا من الحرب ضد الحجاب، ذلك أنه في هجوم المستعمِر ضد الحجاب يقابله المستعمَر بعقيدة الحجاب.
هذا الصراع بين الاستعمار والحركات القومية المناهضة له شوه سمعة القومية الأوروبية لأنها ارتبطت بالفاشية والاستعمار، وفي الوقت نفسه أصبحت مرادفتها في العالم الثالث مرادفة لمناهضة الاستعمار، ولذلك تحولت القومية في الخطاب الغربي إلى مشكلة مقصورة على العالم الثالث.
يقول إعجاز أحمد: إذا كان العالم الثالث يتشكل بفعل تجربة فريدة هي الاستعمار، وإذا كانت المجتمعات هنا لا تعرف من خلال علاقات الإنتاج بل من خلال علاقات السيطرة الدولية، وإذا كانت القوى المحفزة للتاريخ هنا ليست التشكل الطبقي أو النضال، ولا تعدديات أنواع الصراع المتشابكة التي تعتمد على الطبقة والنوع والأمة والعرق والمنطقة، بل التجربة الأحادية للقهر القومي فإن الثقافة على سعتها وتنوعها تختزل في نموذج رسمي فريد،هو القهر القومي.
لقد كانت حالة ما بعد الاستعمار كما يصفها كوامي أنتوني آبيا حالة تعبر عنها مجموعة من الكتاب والمفكرين صغيرة نسبيا ذات أسلوب وتدريب غربي يتوسطون في تجارة السلع الثقافية للرأسمالية في الأطراف، وفي الغرب هم معروفون من خلال أفريقيا التي يقدمونها لأفريقيا ومن خلال أفريقيا التي اخترعوها للعالم ولبعضهم البعض ولأفريقيا.
وفي المقابل يلاحظ آبيا أنه رغم الحقيقة الساحقة للهبوط الاقتصادي، ورغم الفقر الذي يصعب تخيله، ورغم الحروب وسوء التغذية والمرض وعدم الاستقرار السياسي، فإن الآداب الشعبية والقص الشفوي والشعر والموسيقى والمسرح والرقص والفن كلها تزدهر.
إن الإنتاج الثقافي المعاصر للعديد من المجتمعات الأفريقية والتقاليد المتعددة التي تبقى دلائلها بقوة هي الترياق للرؤية القائمة لروائيي ما بعد الاستعمار.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد