تكاثرت أشكال العنف المجتمعي وبدأنا نشهد كل يوم صنفا جديدا منها، ومنذ مطلع الشهر الحالي سجلت دوائر الأمن العام جريمتي قتل، وحالة انتحار واحدة وأربع مشاجرات.
وفي المقابل، سجل شهر آب (اغسطس) الماضي وقوع 16 جريمة قتل راح ضحيتها 19 شخصا من بينهم أربع إناث، بالإضافة إلى 4 حالات انتحار، ومقتل قرابة 40 شخصا في حوادث سير مختلفة، فضلا عن اشتباكات عشائرية في مناطق متعددة من محافظات المملكة.
ويضاف إلى ما سبق ممارسات بتنا نسمع عنها كل يوم باستخدام شتى أشكال العنف بدءا من اللفظي وانتهاء بالعنف الجسدي الذي أفضى إلى هذه الجرائم، فضلا عن مشاكل كثيرة يتم إنهاؤها قبل أن تصل إلى الجهات الأمنية تحت ذريعة العيب والقيم المجتمعية التي ترفض اللجوء إلى القانون لحل كثير من المشاكل، تضخم حجمها، حتى بات الحديث عنها جزءا يوميا من حياتنا.
ولا يمر يوم إلا ويطرح أسئلة مختلفة محورها الأساسي حول مسببات هذه الجرائم، التي ما تزال غير مقبولة ومستهجنة من قبل المجتمع.
 وإن تعددت الآراء حول منبع هذه المشاكل والحوادث، إلا أن هناك اتفاقا على علاقتها بالأوضاع الاقتصادية الصعبة والمستوى المعيشي المتردي وأن تقع نتيجة حالة تراكمية من عدم الرضا عن الأداء العام وضعف انعكاس مكتسبات النمو على الأفراد.
فالأرقام الرسمية تؤكد أن دخل 75% من القوى العاملة تقل عن 200 دينار شهريا، فيما تفيد أرقام دراسات غير رسمية أن 90% من أجور العاملين في الأردن تقل عن 300 دينار.
سؤال بسيط وبديهي يطرح نفسه، عند ورود مثل هذه البيانات، يتعلق بالكيفية التي يدير بها رب الأسرة شؤون عائلته، في ظل هذا الدخل المتدني، وتزايد متطلبات المعيشة اليومية، فمثل هذه المشاكل لا تقع في جيوب الفقر والشريحة المعدمة تماما من المجتمع، فثمة مشاكل خاصة تنتشر في أوساط هؤلاء مردها الجهل وضعف التعليم والمعرفة.
والملاحظ من بيئات هذه الجرائم أنها تتواجد بين من درج على تسميتهم أو وصفهم بـ "الطبقة الوسطى" ولم يعودوا أعضاء فيها مع تغير الظروف الاقتصادية في ظل سوء توزيع لمكتسبات التنمية.
فالشعور بالتهميش وعدم التكافؤ في توزيع الفرص، وتزايد معدلات البطالة بخاصة بين شرائح الشباب يخلق أكثر مما يحدث الآن، بل إن استمرار تراجع الأداء الاقتصادي، وتدني معدلات النمو وانعكاس ذلك على مستوى الرفاه المجتمعي، تولد ضغطا على الأفراد يدفعهم بقرار أو من دون تخطيط مسبق لارتكاب مثل هذه الجرائم.
فتزامن الظروف الاقتصادية الصعبة مع أخرى سياسية أكثر تعقيدا، يخلق بيئة خصبة لأمراض مجتمعية ويحدث اختلالا في بناء القيم المجتمعية التي بدأت تتخلخل، ومن الأمثلة على ذلك قضية ما اصطلح على تسميته بـ "قضية البورصات العالمية".
فدافع البعض لممارسة هذه اللعبة والنصب على آلاف الأسر، وسعي عشرات الآلاف وراء ربح سريع بالتأكيد مرده الظروف الاقتصادية الصعبة.
وما جرائم القتل التي تتم بحجة الشرف إلا أحد أشكال الطمع المالي، فما إن ترتكب الجريمة بدافع الذود عن الشرف حتى يتضح بعد ذلك أن إرثا أو مالا كان وراءها.
الخوف من تفاقم المشاكل الاقتصادية له وجهان، فمن ناحية يهدد اتساع مشاكل اقتصادية مثل العجز والمديونية بالعودة إلى برامج التصحيح الاقتصادي التي تعالت أصوات كثيرة خلال سنوات مضت للتخلص منها، أما الوجه الآخر، وهو الأخطر فيتمثل في هدم الاستقرار المجتمعي، وتهديد حالة الأمن التي نتغنى بها جميعا نتيجة العنف الاقتصادي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة