تمثل تجربة غاندي في التحرر والاستقلال نموذجا تقليديا في العمل السلمي، ولكنها ليست التجربة الوحيدة، وتقدم أكاديمية التغيير في الكتاب الذي أصدرته مؤخرا بعنوان "حرب اللاعنف، الخيار االثالث" دليلا منهجيا للعمل "اللاعنفي" في الصراع والنضال لأجل الاستقلال أو العدالة والحريات على النحو الذي يصرف هذا العمل من التصنيف في خانة القبول والاستسلام.
يعتبر الفيلسوف البريطاني بيرتراند رسل اللاعنف أنه "سلوك عقلاني يهدف إلى تفادي الصراع مع طرف معين أو أطراف محددة بغية إحلال السلام والوئام والانسجام مع الجهات التي قد تكون سببا من أسباب التوتر والقلق، وإقناع الآخرين بأن النزاع والحروب تؤدي إلى الكثير من الخسائر المادية والبشرية.
وأما تعريف أكاديمية التغيير لحرب اللاعنف فهو "شن الصراع الحاسم على الخصوم المعاندين من خلال التحكم المقصود والمخطط في أدوات القوة السياسية لتحطيم إرادة الخصم باستخدام أسلحة لا عنيفة قوية التأثير".
وهو كما يبدو واضحا تعريف يتضمن مجموعة من المفاهيم والمفردات، مثل: الصراع وطبيعته، وأطراف الصراع، وطبيعة القوة السياسية، وأسلحة حرب اللاعنف.
فالصراع يكاد يكون حتميا أو لنقل إنه لم يتوقف منذ وجدت البشرية، فهو يمثل جزءا من الظواهر الناتجة عن الاجتماع البشري، فمنذ وجد الإنسان على الأرض تلازمه ثلاث ظواهر: التنوع في الاحتياجات والطموحات والأفكار والأهداف والتقاليد والثقافة، والاختلاف في التفكير والنظرة إلى الحياة وتوزيع الموارد وتحديد الحقوق والواجبات، والندرة.
ويقصد بذلك الشعور الإنساني العام الفردي أو الجماعي بقلة الموارد الطبيعية والبشرية وندرتها، وهي ظواهر تؤكد أن الصراع ميزة حتمية للحالة البشرية، وإلى هذا يشير القرآن الكريم "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين".
وأما الصراع فيمكن تعريفه بأنه "التنافس بين القوى المتضادة والمتعارضة بما يعكس مدى التنوع والاختلاف والشعور بالندرة" وهنا تقوم ديناميكية الصراع على مدى حدة الظواهر الثلاث (الاختلاف والتنوع والندرة) وطبيعة الخصوم، مثل الدوافع والأيديولوجيا والظروف السياسية والاقتصادية، وهذه الطبيعة هي التي تحدد أسلوب التعامل مع الصراع.
والصراع يمكن أن يكون منخفض الحدة حول قضايا خلافية يمكن تسويتها والتفاوض حولها، أو صراعا صفريا حول القضايا التي تهدد وجود أو استقرار أحد طرفي الصراع، أو صراعا صفريا كارثيا يجب أن ينتهي بالقضاء على أحد طرفي الصراع.
وهنا يجب في إدارة الصراع تحديد مستوى القضايا المختلف عليها ومدى الاختلاف بين أطراف الصراع، وتحديد طبيعة الصراع المفترضة.
وبالعودة إلى دوافع الصراع من تغييرية أو أيديولوجية أو شخصية أو نقابية، ودرجة المخاطرة التي لابد أن يستعد لها أطراف الصراع.
فإنه يمكن تقسيم أنواع الصراعات الصفرية إلى أربعة أقسام: صراع الحافة (الضربة القاضية) وفي هذه الحالة فإن المهزوم سينتهي إلى الأبد، وصراع النقاط وهو صراع يقوم على الدوافع النقابية من حيث تحديد المكاسب والمخاسر والمطالب الممكنة، وصراع الدفاع لمواجهة الأطراف التي ترغب في إجهاض مشروع الطرف الآخر، وصراع التردد القائم على دافع الطموح والمصالح الشخصية.
إن حركات الإصلاح في عملها في مقاومة الاستبداد تتطلع للمصادر الحقيقية للقوة والتأثير لأجل التحكم بها واستخدامها، وهي: السلطة أو الشرعية، والموارد البشرية، والمهارات والمعرفة، والموارد المادية، وعليها في إطار عملها وتقديرها لمصادر القوة أن تدرك أن طبيعة القوة متغيرة وغير ثابتة.
وعليها أن تسعى إلى إدراك طبيعة القوة السياسية في العصر الذي تعيشه، وتشكيل بنى الحركة بناء على الإدراك الكامل لطبيعة القوة السياسية، وتدريب الجماهير على العصيان والتمرد في مواجهة الاستبداد والاحتلال، وإيجاد إستراتيجيات لاعنيفة للتعامل مع القمع الذي يحول دون مشاركة الجماهير، وتقوية المجتمع بأفراده وهيئاته ومؤسساته، وتحرير العقل من قيود وأسر النظرة القديمة وإعادة تعريف طبيعة القوة، والدراسة المتأنية الجادة لحرب اللاعنف، والاستخدام الفعال والمؤثر لأدوات القوة المتوافرة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد