يعرض غيرهارد شرويدر المستشار السادس لجمهورية ألمانيا الاتحادية مذكراته تحت عنوان "قرارات مصيرية، حياتي في دهاليز السياسة" وتظهر كيف استطاع هذا الولد الفقير اليتيم أن يتعلم ويتبوأ أرفع المناصب السياسية من دون مساعدة أحد، وكيف ساعدته مواهبه الشخصية في النجاح والتفوق اعتمادا على نفسه قبل حزبه وبرنامجه الانتخابي، ومواقفه السياسية الإصلاحية والجريئة مثل الدعوة لانضمام تركيا للاتحاد الأوروبي واستقلال القرار السياسي الألماني عن المؤثرات الخارجية، ويقدم أيضا رؤية تحليلية لعالم الغد والسبل الكفيلة بمواجهة التحديات التي تدق أبواب ألمانيا والعالم.
نشأ شرويدر يتيما في أسرة فقيرة تعاني من الجوع والعوز، وترك المدرسة ليعمل عاملا بسيطا لمساعدة أسرته الكبيرة، ثم انتظم في مدرسة مسائية ليتم الثانوية العامة ويحصل على منحة لدراسة الحقوق في جامعة غوتينغن ويعمل في المحاماة، وانتظم في أثناء دراسته الجامعية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وشغل في هذه المرحلة منصب رئيس منظمة الشبيبة الاشتراكية، وعمل بعد تخرجه من الجامعة في أوائل السبعينيات في المحاماة.
وانتخب نائبا في البرلمان عام 1980، وفي عام 1990 انتخب رئيسا لوزراء ولاية سكسونيا، عندما تحالف الحزب الاشتراكي للمرة الأولى مع حزب الخضر (تحالف الحمر والخضر) وفي عام 1998 انتخب مستشارا للجمهورية الألمانية، وأعيد انتخابه عام 2002.
وتعتبر قضية توحيد شطري ألمانيا عام 1989 من أهم الأحداث التاريخية التي مرت بألمانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وعايشها شرويدر باعتباره أحد القادة السياسيين في ألمانيا، وقد دفعت ألمانيا عشرة بلايين مارك تعويضا لضحايا الاستعباد والاضطهاد الذي اعتبرت الحكومة الشيوعية في ألمانيا الشرقية مسؤولة عنه، وقد استفاد من هذه التعويضات حوالي مليون وستمائة ألف شخص في أوروبا وأنحاء أخرى من العالم، واعتبرت برلين من جديد عاصمة لألمانيا الموحدة كما كانت قبل التقسيم.
لقد رتبت الوحدة الألمانية أعباء اقتصادية واجتماعية كبيرة على ألمانيا من أجل تعويض الضحايا ودمج ألمانيا الشرقية في العمليات الاقتصادية والسياسية المتقدمة في ألمانيا الغربية.
وبدأت ألمانيا برأي شرويدر تتخلص من الماضي النازي والشيوعي، وتؤكد للأوروبيين أن ذلك لن يتكرر، فقد اعتذرت ألمانيا رسميا عن انتهاكات النازية، وشاركت في عمليات حلف الأطلسي في البلقان، ثم في الحرب في أفغانستان، ويقول شرويدر إن هذا الموقف الألماني ساعدها على معارضة الحرب في العراق.
ويلاحظ شرويدر إن وصول الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى الحكم بعد تسع سنوات من الوحدة الألمانية وضعه في مواجهة الإدارة الخاطئة برأيه لعملية الوحدة، ومن ذلك عمليات الإقصاء الواسعة التي طبقت بحق أعضاء الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية، والتي تجاوزت السياسيين إلى العلماء والفنانين.
كانت الوحدة الألمانية كما يرى شرويدر تحولا كبيرا في السياسة الأوروبية والعالمية وقبل ذلك في السياسة الألمانية نفسها، ويستشهد هنا برأي بطرس غالي الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، ولم يكن من الواقعي برأي شرويدر الحديث عن سياسة أوروبية موحدة قبل توحيد ألمانيا وإشراكها في عملية استنفار الهمم اللازمة لهذا الأمر، وهو ما تطلب مشوارا طويلا استغرق عقدا من الزمان تقريبا.
وقد نادى بطرس غالي بإشراك ألمانيا بشكل كامل في كل العمليات التي  تهدف إلى حفظ السلام أو إحلاله، ووصف تخوف المجتمع الدولي من أي تدخل عسكري يشارك فيه جنود ألمان بالقناعة الخاطئة، كما استنكر استثناء ألمانيا من المشاركة في مثل هذه التدخلات العسكرية إذا ما تعلق الأمر ببعض الدول التي ظن الألمان أنفسهم أنه لا يحق لجنودهم أن يطأوها لأسباب تاريخية، ولكن موقف غالي كما يقول شرويدر لم يترك أثرا في الحوار الدائر في ألمانيا بهذا الصدد.
فقد جاء تعليق غالي برأي شرويدر في وقت لم تكن العقلية الألمانية مستعدة فيه بعد لقبول فكرة أن توحيد ألمانيا يحمل في طياته وقوع مسؤوليات أكبر على عاتق هذه الدولة تجاه المجتمع الدولي، قد تبدو هذه العقلية الآن بعيدة عن الواقع، وهو ما يعد دليلا على سرعة تبادر الآراء، ففي بداية التسعينيات لم يكن في إمكان سوى أقلية من المراقبين المتميزين استيعاب صورة الشعب الألماني عن نفسه، التي تشكلت من خلال الحرب العالمية الأولى والثانية، ونتج عن ذلك وجود رؤيتين مختلفتين إحداهما داخلية والأخرى خارجية إلى موضوع مشاركة الجنود الألمان في التدخلات العسكرية الدولية، ولكن في العام 1996 أصدر البرلمان الألماني (البوندستاغ) بفضل أصوات النواب المنتمين إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي (الأمر الذي يعتبره شرويدر رؤية متقدمة للحزب تجعله مؤهلا لقيادة ألمانيا والمساهمة العالمية) قرارا بمشاركة ألمانيا بحوالي ثلاثة آلاف جندي في قوات حفظ السلام، وفي العام 1998 صوت أكثرية الأعضاء في البرلمان لصالح تمديد هذا التفويض.
قادت ألمانيا بالمشاركة مع فرنسا محاولة رائدة لتوحيد ألمانيا واستقلالها سياسيا وإستراتيجيا عن الولايات المتحدة، وكانت الحرب في البلقان تحديا وتجربة أوروبية جديدة للتأكد من قدرتها على تجاوز الحرب العالمية الثانية وآثارها وتداعياتها، وإنجاح حالة وقف الحرب في أوروبا، فبرأي شرويدر أن تجربة الحربين العالميتين المروعتين وضعت على عاتق أوروبا الموحدة مسؤولية التصدي لتحقيق الدروس المستفادة من هاتين الحربين، وقد كانت لتجربة إنهاء الحرب في البلقان خلال فترة ترؤس ألمانيا للمجلس الأوروبي دلالة رمزية، يقول شرويدر: لقد تعلمت الكثير  من هذه التجربة، ومن ذلك مشاركة روسيا في عمليات السلام في البلقان وإبعادها عن الانحياز لصربيا مقابل حصولها على مكاسب إستراتيجية لأن تدخلها يجعل قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المنطقة تبقى لفترة طويلة، الأمر الذي تعارضه روسيا بقوة، وقد أمكن بالتفاوض  مع روسيا الوصول إلى سحب صربيا جميع قواتها من كوسوفو وموافقتها على وضع كوسوفو تحت ولاية الأمم المتحدة، ولكن يقول شرويدر إنه في الوقت الذي كانت المفاوضات تتقدم وتحقق إنجازات على الأرض أغارت طائرات أميركية تابعة للناتو على السفارة الصينية في بلغراد، ويقول شرويدر أنه حادث لا يمكن إدراجه في إطار الحوادث العرضية المؤسفة، فقد أدى إلى سقوط قتلى وجرحى واهتياج صيني شعبي ورسمي، وجاء في الوقت الذي كان من المخطط أن يقوم شرويدر فيه بزيارة رسمية إلى الصين، وقد اعتذر شرويدر بصفته ممثلا للتحالف للصين، وأمكن بذلك المحافظة على حياد الصين.
وكانت ألمانيا قد دخلت في عهد شرويدر في مرحلة جديدة في مجال العلاقة مع الصين لأجل تطويرها إيجابيا، وقد ضوعف في عهده حجم التجارة مع الصين ليصل إلى 60 بليون يورو، أي ثلاثة أضعاف ما كان عليه الوضع من قبل مجيئه إلى السلطة، هذا بالإضافة إلى أن الصين قد اكتسبت في السنوات الأخيرة وزنا سياسيا كبيرا على الساحة الدولية، ولكنها برأي شرويدر توظف وزنها السياسي الكبير بقدر كبير من المسؤولية، وقد دخل الاتحاد الأوروبي أيضا في مرحلة جديدة من العلاقة مع الصين، وبدأ الحظر الذي فرض عليها عام 1989 يتفكك حتى تحول إلى حظر شكلي.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد