بجرأته المعهودة يقدم الصحافي البريطاني، روبرت فيسك، أحد السيناريوهات المتعلقة بمصير الدولار ومستقبله، ويرسم بقلمه مآلات الاقتصاد العالمي وتطوره والمتغيرات المتوقعة.
أهمية تقرير فيسك الأخير في الإندبندنت البريطانية أنه ينشر تفاصيل حول خطط وضعتها دول الخليج العربي، إلى جانب كل من الصين وروسيا واليابان وفرنسا، تقضي بإنهاء تعاملات النفط بالدولار، متحركين بدلاً من ذلك باتجاه استخدام سلة من العملات التي تضم الين الياباني واليوان الصيني واليورو والذهب، إضافة إلى العملة الموحدة الجديدة المخطط لاستخدامها في دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها العربية السعودية، وأبو ظبي، والكويت وقطر.
الحقائق الموجودة في التقرير المنشور اليوم في ملحق سوق ومال، ويشير إلى اعترافات بعض المسؤولين، يجعل المرء يفكر بما يمكن أن يحدث لو جرى تطبيق ما ورد فيه، رغم النفي السريع من الدول الوارد ذكرها فيه.
التقرير، الذي كتبه أشهر مراسل غربي في المنطقة، يدعونا إلى وقفة للتفكر في مضمونه، وأخذه بالحسبان في التخطيط الاقتصادي لكل بلد، لا سيما تلك الدول التي ترتبط اقتصاداتها بالعملة الخضراء التي بسطت قوتها على الاقتصاد العالمي على مدى عقود مضت.
أهمية ما نقله فيسك، الذي يقيم حاليا في بيروت، تأتينا ونحن في خضم الأزمة، وتبعاتها على الاقتصاد وتحديدا عجز الموازنة الذي توقع بلاغ موازنة 2010 الذي صدر حديثا أن يصل إلى 1.2 بليون دينار وهذا رقم خطير ومؤشر سلبي يقضي على كل المنجزات المتحققة.
والأردن أحد البلدان التي تتأثر مباشرة بمثل هذه الخطط إن حدثت، لأن عملتها مرتبطة بالدولار منذ العام 1995، رغم تعرض سياسة ربط الدينار بالدولار للنقد أحيانا والتأييد بحسب الظروف السائدة في كل حالة، كون الحديث عن وقف تسعير النفط بالدولار سيضعف هذه العملة بالتأكيد.
وهذه المسألة تؤثر على الأردن مباشرة، فخلال الفترة الماضية التي شهد فيها سعر صرف الدولار تراجعا كبيرا أمام العملات الأخرى، أثر ذلك بشكل أساسي ومباشر على العديد من المؤشرات.
لا سيما الميزان التجاري وقيمة المديونية العامة نتيجة الانخفاض المستمر لسعر صرف الدولار أمام العملات الرئيسية كاليورو الأوروبي والين الياباني.
وما جاء في تقرير فيسك ممكن نظريا في طل التداعيات الكبيرة للأزمة المالية العالمية وتغير الوضع الراهن دوليا، إلى جانب ضعف القدرة على التنبؤ بما سيقع كون الدولار الذي ارتفع مؤقتاً بدأ الآن بالانخفاض، والبترول الذي انخفض مؤخراً سوف يرتفع، كذلك اليورو الذي تراجع سوف يتحسن، والين الياباني في تصاعد.
وما يحدث للدولار ليس غريبا، بل نتاج ضعف الثقة بهذه العملة، في الفترة التي تلت وقوع الأزمة، وأنباء حول قيام الحكومة الفدرالية الأميركية بطباعة بلايين الدولارات لإنعاش اقتصادها الذي يعاني من الركود والذي أكدت تقارير صندوق النقد الدولي أنه لم يتعافَ منه بعد.
بين النظرية والتطبيق وفي خضم الجدل الدائر حول مستقبل الدولار فإن ذلك يفرض على الساسة النقديين محليا وضع سيناريوهات مختلفة للتعامل مع كل توقع مطروح سواء بإعادة النظر بارتباط الدينار بالدولار وجدوى استمرار هذه السياسة من عدمه، وسط خيارات أخرى كالارتباط بسلة عملات.
ربط الدينار بالدولار والعودة إلى ربط العملة الوطنية بسلة العملات، ليس قرارا اقتصاديا بل يحتاج إلى إرادة سياسية بحاجة إلى دراسة معمقة في ظل التأكيدات الحكومية مرة تلو الأخرى أن قرار ربط الدينار بالدولار الأميركي استراتيجي، رافضة دعوات برلمانية واقتصادية متكررة لإعادة النظر فيه.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

جريدة الغد   جمانة غنيمات  صحافة