كيف تكون المساجد جزءا أساسيا من المدينة ينسجم مع فكرتها وأهدافها؟ كيف تكون معلما حضاريا يمنح المدن والمجتمعات هويتها ووعيها بذاتها؟ كيف تكون إقامتك بجوار المسجد ميزة إضافية تمنحك جمالا وفضاءً جديداً مختلفا بل وتعطي للعقار المجاور قيمة أضافية تزيد من ثمنه ولا تكون سببا في انصراف الناس عنه؟ كيف تكون المساجد مصدرا للذكريات والحنين الذي يشدنا إلى الأوطان عندما نسافر؟ يقول لي صديق مسيحي عندما أسافر أفتقد الأذان وعندما أعود إلى الوطن انتظر الأذان بحنين يشعرني أني عدت إلى أهلي وبلدي، كيف نجعل من الأذان مصدرا للجمال والدفء والانتماء؟
نحتاج كمجتمعات وأفراد أن ندرك أن المدينة ليست بالضرورة صاخبة أو مزدحمة أو متوحشة، وهذه الفكرة العدائية السائدة لدينا عن المدن مردها على الأغلب إلى خلفيات وثقافات ريفية لا نريد التخلي عنها، ونظن أنها الصواب وتعبر عن الأصالة وربما الدين، ولكن الدين يقوم على المدينة، ولذلك سمي أول مجتمع للمسلمين بالمدينة، فالدين مدني أساسا، والرسالات لا تكون إلا في المدن والمراكز الحضرية، وكذا التعليم والثقافة والمهن والتجارة والمصالح والأعمال، وربما من الطريف أن نذكر هنا بقصة الأذان في المدينة، وكيف كان رؤيا قال الرسول صلى الله عليه وسلم لصاحبها علمها لبلال فإنه أندى منك صوتا، فالأذان ابتداء نداء جميل يضيف إلى حياة الساكنين (هل من علاقة بين السكون والسكن والسكان؟) شيئا جميلا، ولا أهمية واضحة له إذا كان في الصحراء، لأنه موجه إلى الناس المقيمين بجوار المسجد وحوله يدعوهم إلى الصلاة.
نحن نبحث في الصلاة عن "السكون" قال تعالى: "وصلِّ عليهم، إن صلاتك سكن لهم ورحمة"، والصلاة في الأصل قائمة على الدعاء والمناجاة، أي أنها انكفاء عميق نحو الذات قائم على الاستماع والسكون الذي يسمح بإدراك ما يريده الإنسان وما يريد أن يكون عليه وكيف يكون ما يريد، ففي الدعاء والمناجاة يتشكل لدى الإنسان وعي بما يريد، كيف نحصل على السكون؟ كيف نجعل حياتنا بكل مكوناتها من العبادة والعمل والممارسات جميعها مصدرا للسكون، ومن ثم الرضا؟ لأن الحضارة كلها قائمة على منح الناس الرضا والكفاية.
الحياة والعلم والحكمة والعمل والتقدم والتواصل تقوم على الاستماع، هكذا ببساطة لنتأمل كل مكونات حياتنا وأعمالنا، هي تقوم على الاستماع، ومن ثم فإن الاستماع قيمة عليا ومكون أساسي يجب أن يحكم التخطيط للمدن والأحياء والمؤسسات والحياة بعامة، كيف تساعدنا بيوتنا ومؤسساتنا على الاستماع؟ هل هي مصادفة أم مسألة عادية لا تحتاج لتوقف أن ضعف السمع في الأردن يشكل ظاهرة غير عادية وأن معدلاته تساوي أضعاف معدلاته في العالم؟ لنتخيل حياتنا وأعمالنا بلا قدرة على الاستماع، "إنهم عن السمع لمعزولون" "ما كانوا يستطيعون سمعا".
وعودة إلى المدينة وسكونها، فالمدن الهادئة أو الأجزاء الهادئة منها ليست امرا نادرا، بل هي نظام حياة وعمل سائد في التاريخ والجغرافيا، والاستثناء الذي نشكله نحن في مدننا وأحيائنا لا يجعل ذلك هو الأصل، ولا حقيقة واقعة يجب أن نتقبلها.
لقد أظهر الجدل حول ميكروفونات المساجد ودورها وأهميتها ومشكلاتها أننا مقدمون وأخشى أن يكون قد فات الأوان على حالة من ضعف الاستماع، وأننا نفقد من مهاراتنا في الحوار والاستماع، وأن الضجة والفوضى في المدن والحياة اليومية يمكن أن تتحول إلى فوضى في التفكير والمنطق، وأن المجتمعات مهددة بالحالة التي وصفها القرآن الكريم "إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون" وقد لاحظت قبل أيام أن ابني الصغير الذي ييلغ من العمر أربع سنوات يستخدم كلمة نقاش بمعنى الخصام، ومن المعلوم أن الأطفال ينشئون لغات ومفاهيم ومصطلحات جديدة في اللغة تتحول مع الزمن إلى قاعدة سائدة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد