منذ عدة سنوات بتنا نشهد في الأردن ظاهرة جديدة تتمثل برحيل المسؤولين الحكوميين إلى ركاب القطاع الخاص، بعدما جاءت فترة شهدنا خلالها حركة معاكسة تمثلت بانتقال رجال الأعمال إلى الحكومة.
تلك الحالات الفردية المتكررة بين فينة وأخرى ارتقت إلى أن تكون ظاهرة بحد ذاتها.
وتجسد تلك الحالات مدى تراجع أهمية الموقع العام، كما تشي بنكران للقطاع الرسمي؛ فالمسؤول الحكومي يسعى للحصول على المال بعدما حصل على النفوذ، فلا يكاد تمضي أشهر إلا ونسمع أن فلانا انتقل إلى إحدى الشركات، وبعكسهم رجال المال الذين يركضون وراء النفوذ السياسي والألقاب السلطوية بعد توافر المال لهم.
ففي الأردن تجد أمينا عاما هجر الوزارة وذهب ليعمل في شركة، ثم يعود إلى الحكومة ليشرف على عمل هذه الشركة، وثمة وزير فضّل الشركة على الموقع العام، وهناك مديرون عامون آثروا ترك الوظيفة سعيا وراء راتب أعلى.
وهذه ليست المشكلة، إذ أن من حق كل إنسان توسيع آفاقه وطموحاته، بل إن المشكلة تكمن في أن هؤلاء لا يجدون في القطاع العام أكثر من الأبهة واللقب الذي سهّل عليهم بعد ذلك الكثير من الأعمال والمصالح.
وبعض هؤلاء يظنون أن قبول العمل في القطاع العام مكرمة منهم تفضلوا بها على الأردن والأردنيين وعلى الجميع أن يقّدر هذا التنازل ويبجله، لا سيما وأن العمل العام لا يقدم لهم المزايا المالية التي يطمحون إليها.
فكثيرا ما تسمع مسؤولين يتحدثون عن عروض رفضوها وعن مكتسبات ترفعوا عنها، كان سيوفرها القطاع الخاص، وكأنهم تناسوا في غمرة انفعالهم أن العمل العام تكليف وليس تشريفا، وهو واجب يتحملون بموجبه مسؤولية كبيرة تفرض عليهم تحسين الظروف وحمل ملفات ثقيلة لحل كثير من المشاكل ما يزال بلد ذو اقتصاد متواضع يعاني منها.
المفارقة أن الشعور بعدم جدوى العمل في القطاع العام لا يتوافر لدى المسؤول وهو يركب السيارة الحكومية ويحصل على الكثير من الامتيازات بحسب ما تمليه أسس الموقع الرسمي في الدرجات المتقدمة، ويغيب عن البال أن مهمة كل مسؤول أينما حل خدمة العامة لا النظر إليهم من برج عاجي نُصب وسط ضباب يحجب عنه الواقع الصعب الذي يعيشه المواطن.
مرة أخرى، العيب ليس في العمل لدى القطاع الخاص، بل في العقلية التي تسيطر على المسؤولين الذين يرحلون إلى القطاع الخاص أو يأتون منه، وقناعتهم أن القطاع العام موجود ومتوافر حينما يرغبون في العودة إليه، فهم أصحاب الكفاءات الذين لا يمكن الاستغناء عنهم وعن قدراتهم وأمنياتهم التي لم تفشل في تحسين أحوال الناس على مدى سنوات طويلة فحسب، بل أخفقت في التخفيف من مشاكل اقتصادية توصف بأنها عابرة للحكومات كالفقر والبطالة.
عدم إيمان المسؤول بأهمية الدور الذي يؤديه في الخدمة العامة، يولد نتائج خطيرة جدا؛ فالمسؤولون بهذه المواصفات يغيب عنهم إيمانهم بجدوى مهامهم ووظائفهم، ما يجعل من التحسن أمرا صعب المنال.
تفسير كل ما يجري يرتبط بمراحل ماضية التي أثرت بشكل تراكمي على السياسات والرؤية، وأثرت على هيبة الدولة وولدت حالة "خربطة" معايير، أضعفت المؤسسات وموقع الحكومات في صنع القرار، حتى بات الطموح إلى الموقع العام أمرا يستخف به الناس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
جريدة الغد جمانة غنيمات صحافة