هل العنف سلوك فطري متأصل في البشر أم هو مكتسب؟ تتبع باربرا ويتمر أستاذة علم الأخلاق والدراسات الثقافية بجامعة تورنتو بكندا المعتقدات والمواقف والسلوكيات والتوقعات الاجتماعية بشأن العنف في الثقافة الغربية، وسوسيولوجيا العنف وسيكولوجيته، وتشريع العنف بواسطة الايدولوجيا والأسطورة، والعنف والخطاب الرمزي، وتقدم رؤية حول مسائل مثل العنف والحرب، والعنف ضد النساء والمهمشين، والعنف والتلفاز، والإرهاب الدولي.
ربما تكون الثقافة باعتبارها أسلوب حياة يمارس المجتمع من خلالها طقوسه الاجتماعية اليومية تكرس العنف وتجعله متقبلا بل ومطلوبا، أسطورة البطل على سبيل المثال، وتاريخ الشعوب وتراثها القائم على تمجيد العنف أكثر من السلام والتسامح.
ولكن ثمة نظريات ترى العنف غريزيا مستمدا من صراع البقاء والسيطرة ومحاولة التكيف مع التغيرات البيئية، ويشكل ذلك أنظمة فكرية وعاطفية تحول غرائز العنف إلى صور ورموز وقصص وبطولات جميلة هي في حقيقتها دوافع عدوانية أو سلوك عنيف، وفي مقابل ذلك تبحث نظريات التعلم الاجتماعية في السلوك العنيف ضمن مسوغات ملائمة اجتماعية وأخلاقية بواسطة الإطار الثقافي للتوقعات والمقبولية وبوساطة التسامح تجاه التعبير عن السلوك العنيف.
يعتقد فرويد أن الحضارة تحاول منع الإفراط في "العنف القاسي" عبر إعطائها لنفسها الحق باستخدام العنف ضد المجرمين، ويميز فرويد العنف الشرعي بوصفه حقا للسلطة المقبولة اجتماعيا كي تسيطر على العنف غير الشرعي وغير المصادق عليه اجتماعيا لدى الفرد، وبالتالي المهدد للمجتمع.
وهذا التقسيم للعنف بين شرعي وغير شرعي يشير إلى التعارض بين الحق الاجتماعي الذي يقره القانون والمكانة والعادة والقبول الاجتماعي وبين التبرير الأخلاقي الذي يقره الاحتكام إلى التعاليم الدينية والمبادئ والحجج الأخلاقية أو الأحكام الأخلاقية الإرادية، إذ يمكن لشخص في موقع سلطة قانونية أن يقوم بفعل شرعي ولكن غير أخلاقي، وفي المقابل يمكن أن يقوم عضو في مجموعة اجتماعية محسوبة شريرة بعمل غير شرعي لكنه أخلاقي.
وتشكل الأساطير والروايات التراثية مصدرا للنظر إلى العنف وتبريره وتقييمه، فهي (الأساطير) باعتبارها قصصا ثقافية تستخدم الخطاب الرمزي والمعتقدات يمكن أن تستعملها السلطة في تأدية وظائفها، فالأسطورة تساهم في التعليم الجماعي وفي بناء المفاهيم والمواقف والتوقعات المتشابهة.
الرجال ليسوا مخلوقات لطيفة تريد أن تحب، يقول فرويد، وإنما هم على النقيض من ذلك مخلوقات ذات مواهب غريزية من بينها ما يتسم بقسط كبير من العدوانية، فهو (فرويد) يلاحظ أن المشاعر ليست لها سلوكيات، ولكنها تجارب محسوسة، وإذا ما عبر المرء عن مشاعره فإن طريقة تعبيره عنها تتأثر بالظروف الاجتماعية وبالتوقعات وبتقبل السلوك وبالخيار، وهذه تعيد تقديم القيمة العاطفية للتجربة بالنسبة للذات وللآخرين، وإذا كان المرء يحاول الحصول على قبول أولئك الذين يثمنون السلوك العنيف أو يصادقون عليه والانتماء إليهم، من أمثال عصابات الشوارع أو زملاء الحرب، فعندئذ يحقق مثل هذا السلوك منزلة من الشرعية في الإطار الاجتماعي، فالمبادرات بالسلوك العنيف تعتمد على خيار مرتبط اجتماعيا وليس على الدافع الفطري.
ويستند فرويد في ذلك على أن للبشر غرائز ودوافع أساسية تنفجر إذا ما كبتت، وتقدم الغريزة العدوانية أو دافع الاعتداء بتفسير السلوك العدواني  المقنع، وهو يرى في الوقت نفسه أن الحب ينبع من نرجسية عدوانية أساسية تعد كل فرد آخر عدوا محتملا منافسا أو مانعا لحريته. يحصل العدوان المحرض دفاعا عن هذه النرجسية.
وأما الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا، فهو يرد العنف إلى اللغة باعتبارها هي التي تكون الفرد وتزوده بالمعنى، فهو يضع الفرد في سياق نظام ثقافة لغوي، فالحرب هي في حقيقتها تعبير عن الخطاب الثقافي، وتقول العرب "الحرب أولها الكلام"، وهنا يكون لبناء الثقة الدور الأساسي في بناء الثقافة ومواجهة العنف لأنه أساسا حالة من عدم الثقة، فالأطفال الأصحاء لا يخشون الحياة إذا ما تمتع الكبار بكمال كاف بحيث لا يخافون الموت، فالاستقامة هي المقدرة على تأكيد قيمة الحياة في مواجهة الموت، والمصالحة وقبول الوقائع دون يأس، والثقة هي الرابط التطوري الأول في العالم الاجتماعي، وهي الأساس الذي تستند إليه كل الإنجازات التطورية المتكاملة والإيجابية اللاحقة.
وعلاج العنف يكون في استعادة الثقة في العلاقات الصحية للذات والآخر والجماعة، مثل الرغبة في الانتماء، والقبول، وحرية النمو والتوسع، والتحرر من السيطرة والخضوع، وكيفية القضاء على بعض المشاعر والأحاسيس السلبية التي ترافق الإنسان مدى حياته وتكون سببا غير مباشر في التحكم في مصيره دون أن يعلم في غالب الأحيان.
إن فهم الذات لا يتأتي إلا في إطار العائلة، أو المجتمع أو في حالة نعيشها، أو الذكريات العنيفة أو المؤلمة التي لا يمكن نسيانها إلا بالعلاج المناسب، مع الحرص على ألا تتكرر باستمرار، وما يجب علينا هو تعلم كيف نكسب، حتى يمكننا أن نعطي.
وفي الواقع فإن للنجاح والفشل علاقة بنوعية الحياة تتناسب دائما مع المقدرة على الفرح، وفي دراسة لثلاثين من الأميركيين ممن تزيد أعمارهم على المائة عام وجد الباحثون القاسم المشترك للعوامل الأساسية في طول عمرهم مستمدا من التكيف مع النجاح والفشل.
تقول ويتمر: نريد أن ننسى بعض الذكريات، ويمكننا أن ننسى بعضها إذا ما عولجنا بشكل مناسب، ولا يمكننا نسيان بعض الذكريات الأخرى، ولكن يجب ألا نتذكر باستمرار، وفي تعلمنا كيف نصرف الذهن نتعلم كيف نكسب، وفي تعلمنا كيف نكسب نتعلم كيف نعطي، وأحيانا نحصل على ذكريات نريد الاحتفاظ بها، فإذا انتبهنا نحصل على الاحساس بالحياة مرة أخرى، فالفرح هو محصلة الانتباه والذاكرة.
 

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد