كيف تعود عمان مدينة؟ الواقع أن السؤال كيف تعود مدننا جميعها مدنا؟ الزرقاء وإربد والسلط والكرك والعقبة ومادبا وجرش، وتلك المدن والبلدات الناشئة في المراكز والتجمعات والتي لا تقل عن مائة بلدة ومدينة يترواح عدد سكانها بين خمسة آلاف وخمسين ألف نسمة، لم تعد قرى ولم تصبح مدنا، هذا السؤال ربما يكون غائبا إلى حد كبير برغم أنه السؤال الأكثر أهمية(ربما) والذي يجب أن يشغل المرشحين والناخبين وفيما بعد السادة رؤساء وأعضاء المجالس البلدية المنتخبون، لأن التمدين هو الحلقة الغائبة والتي تضيع عندها وبسببها دائرة التقدم الاجتماعي والاقتصادي المفترض تشكله حول الموارد والأعمال السائدة اليوم في المدن والمجتمعات الأردنية، لأنه وببساطة لا تتطور هذه الموارد والأعمال ولا تتقدم إلا في دورة من التفاعل معها تعود عليها مرة أخرى على هيئة موارد وأعمال جديدة.
الاقتصاد الأردني اليوم يقوم على الخدمات والأعمال والمهن وهذا يقتضي بالضرروة نشوء مجتمع مديني ينظم نفسه على أساس من الاحتياجات والأولويات الجدية المتشكلة حول هذا الاقتصاد، ويفترض ذلك نشوء تجمعات وبرامج تنتظم أصحاب الأعمال والمصالح والمهن والأمكنة لتؤثر على الانتخابات على النحو الذي يحمي مصالح الناس وتطلعاتهم ويقدم حلولا لمشاكلهم المتعلقة بحياتهم وأعمالهم، ويؤدي غياب هذا الرابط المديني بين الناس إلى انتخابات مغيبة عن الهموم والأولويات الحقيقية للناس والمجتمعات، ومن ثم ضياع فاعلية الانتخابات والديمقراطية برغم التكرار المتواصل لهذه الانتخابات، لأنها تجري وفق قواعد وأفكار أخرى بعيدة ومختلفة عن الاولويات المفترضة، ومن ثم فإنها(الانتخابات) تتحول إلى برامج وطموحات فردية وعائلية لا تقدم ولا تؤخر في حراك المدن والمجتمعات والنخب والقيادات.
وهذا ينعكس أيضا على الموارد والأعمال والمصالح نفسها لأنها في تنظيمها وتشغيلها ستكون بلا محركات وأنظمة اجتماعية وثقافية وضمانات مادية وتشريعية تحمي العاملين والعمل وتنشئ بيئة لتقدم الأعمال وتسويقها وتوفير المتطلبات والعلاقات الصحيحة والأساسية المفترض قيامها وتشكلها حول الأعمال والمصالح، مثل المجتمعات والروابط المهنية والإسكان والتعليم والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي والتعليم المستمر والتطوير المهني والشراكات المهنية والتجارية وتنظيم التنافس وتفعيل الأسواق وتطورها ونموها المتواصل.
وربما يفسر هذا غياب العلاقة بين النمو في التعليم وبين نمو الأعمال والموارد والثقافة والمسرح والموسيقى والسلوك الاجتماعي المتقدم والعلاقات الاجتماعية والمهنية الصحيحة والفاعلة، فثمة إصرار على مواصلة السلوك والثقافة والروابط الزراعية والرعوية وتطبيقها في الوقت نفسه على حياة وأمكنة لا علاقة لها بالزراعة والرعي، فتدار عمليات التعليم والمؤسسات المعقدة والمتطورة وتخطيط المدن والطرق والنقل والتجارة والأسواق والانتخابات بأدوات وخبرات سابقة ملائمة لعمليات إنتاج وحماية لم تعد موجودة.
التمدن ليس حاجة ترفية أو فلسفية، ولكنها ضرورة يقتضيها نشوء المدن بالضرورة، فلا يمكن إقامة مدن وجامعات ومجالس نيابية وشركات ومصانع دون أن يصاحب ذلك ثقافة مدينية لإدارتها وتنظيمها، وهذا ما يجب أن يقلق المؤسسات الرسمية والمجتمعية المشغولة بالإصلاح، بل إن الشركات ستجد نفسها في مرحلة بحاجة للانخراط في عمليات التمدين لأن أسواقها ومصالحها تقوم على مدن حقيقية وراسخة.
والإصلاح يقوم على الطبقة الوسطى في المجتمع، من المهنيين والأساتذة والتجار والأطباء والمهندسين، وهي طبقة تنشأ وتعمل وتزدهر في المدن والتجمعات الحضرية، وهي التي تمنح المكان خصوصيته الثقافية والاجتماعية والعمرانية.
واستخدام الأدوات والمناهج الريفية لإدارة دول ومؤسسات ومجتمعات مدنية كبرى يشكل كارثة على المدن والناس والمصالح، فإذا كانت الثقافة الريفية أو البدوية تكونها تجمعات صغيرة قائمة على نمط معين من الإنتاج والانتماء والحماية، فلا يمكن تصور كيف ستنظم هذه الثقافة تجمعات سكانية ومهنية وسياسية كبرى ومعقدة لا يربطها ببعضها ما يربط المجموعات الصغيرة من السكان المتشاركين في النسب والمصاهرة والعمل والحياة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  ابراهيم غرايبة   جريدة الغد